الأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني بالمغرب: تحالف الضرورة أم صراع النفوذ؟
حسن كرياط
في المغرب، لم يعد الحديث عن الديمقراطية ترفًا فكريًا أو خطابًا مؤسساتيًا معزولًا، بل أصبح ساحة صراع حقيقي بين فاعلين يتقاسمون – نظريًا – نفس الهدف ويختلفون عمليًا حول من يمتلك حق تمثيل المجتمع. هنا، تحديدًا، تتقاطع طرق الأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني، لا في تناغم بقدر ما في توتر صامت يخفي أكثر مما يعلن.
على الورق، تبدو الصورة مثالية: أحزاب تؤطر وتمثل وتدبر، ومجتمع مدني يراقب ويترافع ويعبّئ. وقد حاول دستور 2011 أن يمنح هذه الثنائية توازنًا جديدًا عبر تكريس الديمقراطية التشاركية. لكن خارج النصوص، تتبدد هذه المثالية سريعًا، ليحل محلها واقع أكثر حدة: صراع على الشرعية، وتنافس على النفوذ، وتداخل مربك في الأدوار.
الأحزاب، التي يفترض أن تكون عماد الوساطة السياسية، تعاني اليوم من أزمة عميقة في الثقة والمصداقية. لم تعد قادرة على احتضان انتظارات المواطنين، ولا على تأطيرهم بالشكل الذي يضمن استمرارية الفعل السياسي. في هذا الفراغ، تمددت جمعيات المجتمع المدني، لا كبديل منظم، بل كقوة ميدانية تكتسب مشروعيتها من القرب اليومي من الناس. وهنا يبدأ الاحتكاك: من يمثل المواطن حقًا؟ من يملك صوت الشارع؟ ومن يترجم المطالب إلى سياسات؟
لكن الأخطر من التنافس هو “اللعبة المزدوجة” التي يمارسها الطرفان. فبعض الأحزاب لم تعد تكتفي بالعمل السياسي المباشر، بل تسللت إلى الحقل الجمعوي، تصنع جمعيات على المقاس، وتستثمر في المبادرات المدنية كخزّان انتخابي مؤجل. في المقابل، لم يعد العمل الجمعوي بريئًا بالكامل؛ إذ انخرطت بعض الجمعيات في حسابات سياسية ضيقة، أو وجدت نفسها رهينة تمويلات مشروطة، تُضعف استقلاليتها وتشوّه صورتها كقوة رقابية.
ورغم هذا المشهد الملتبس، لا يمكن إنكار وجود لحظات نادرة من الانسجام. حين تتحول مطالب الشارع إلى مشاريع قوانين، أو حين تلتقي الإرادة السياسية مع الضغط المدني في قضايا مثل الحقوق والحريات أو البيئة، يلوح أفق تكامل ممكن. لكنه تكامل هش، غير مؤسس، وغالبًا ما يظل رهين الظرفية لا القواعد.
الإشكال الأعمق يكمن في هذا “المنطقة الرمادية” التي تفصل – أو لا تفصل – بين السياسي والمدني. فظهور فاعلين بوجهين، حزبي وجمعوي في آن واحد، جعل الحدود شبه منعدمة. من يتحدث باسم من؟ ومن يخدم أي أجندة؟ أسئلة مشروعة في سياق تختلط فيه الأدوار وتضيع فيه المسؤوليات.
ثم يأتي عامل المال ليزيد المشهد تعقيدًا. جمعيات تعتمد على دعم عمومي أو خارجي، وأحزاب تستفيد من تمويلات لا تنعكس دائمًا على جودة الأداء السياسي. النتيجة: أزمة ثقة مزدوجة، تضرب الوساطة السياسية من جهة، وتضعف مصداقية الفعل المدني من جهة أخرى.
الحقيقة التي لا يمكن القفز عليها هي أننا أمام علاقة لا هي تحالف واضح ولا صراع معلن، بل حالة “تعايش متوتر” داخل نسق سياسي يتغير ببطء. فلا الأحزاب قادرة على استعادة دورها الكامل، ولا المجتمع المدني مؤهل ليكون بديلاً عنها. وفي هذا الفراغ، تتأرجح الديمقراطية التشاركية بين الشعار والممارسة.
الرهان اليوم ليس في من ينتصر، بل في من يملك الشجاعة لإعادة تعريف العلاقة. أحزاب تستعيد معناها كمدارس للتأطير لا كآلات انتخابية، ومجتمع مدني يحمي استقلاله بدل الارتهان، ودولة تضمن قواعد لعب واضحة لا تترك المجال للفوضى المقنّعة.
وصفوة القول، إن السؤال لم يعد نظريًا: هل يستطيع المغرب تحويل هذا التوتر إلى طاقة إصلاح، أم أن العلاقة بين الأحزاب والجمعيات ستظل أسيرة منطق الاستغلال المتبادل؟
الإجابة، كما يبدو، لن تأتي من النصوص… بل من الممارسة.




