اقتصادكتاب الرأي

عدالة التنمية في المغرب: بين طموحات المشاريع الكبرى ورهان معالجة الفوارق المجالية والاجتماعيةحسن كرياط

​تتجلى المعركة الحقيقية للتنمية في المغرب اليوم في التحدي المتمثل في تحويل الثمار الاقتصادية والمشاريع المهيكلة إلى واقع ملموس ينعكس إيجاباً على المعيش اليومي للمواطنين، حيث نبه تقرير والي بنك المغرب، المُقدّم أمام أنظار الملك محمد السادس، إلى حتمية حماية السلم الاجتماعي عبر مضاعفة الجهود للحد من معدلات البطالة، وتطويق تداعيات الفوارق الاجتماعية الملموسة. ويرتكز هذا التوجه الاستراتيجي على تعزيز الاستثمار المنتِج، وتطوير منظومتي التعليم والتكوين، فضلاً عن إرساء دقة أكبر في توجيه الميزانيات والبرامج الاجتماعية لضمان وصولها الفعلي إلى الفئات الفقيرة والهشة التي هي بأشد الحاجة إليها.
​وتعيش المملكة على وقع مفارقة تنموية لافتة؛ ففي الوقت الذي تخطو فيه الدولة بثبات نحو مصاف الدول الصاعدة عبر مشاريع استراتيجية كبرى شملت تطوير قطاعات التصنيع الحديثة كصناعة السيارات والطيران، وتوسيع الاستثمارات الفلاحية، وتشييد بنيات تحتية متطورة بمواصفات عالمية كشبكة القطارات فائقة السرعة والموانئ الضخمة وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط والمناطق الصناعية الحديثة، تظهر التقارير الصادرة عن المندوبية السامية للتقطيط والهيئات الوطنية والدولية تفاوتات حادة بين قطب اقتصادي ممتد على الشريط الساحلي وبعض المدن الكبرى، وبين مناطق نائية وقروية واسعة ما زالت تعاني وطأة الفقر والتهميش وضعف الفرص الاقتصادية. وتؤكد البيانات الرسمية أن تمركز معظم الثروة والاستثمارات في محاور جغرافية محددة يغذي العزلة وقلة الخدمات الأساسية وخدمات الاتصالات والتجهيزات لدى أقاليم الهامش، مما جعل الفوارق المجالية تتصدر قائمة العقبات أمام تحقق تنمية شاملة ومتوازنة، وهو المعطى الذي طالما حذرت منه الخطب الملكية السامية داعية إلى إعادة التوازن الترابي.
​وأمام هذه التحديات، يبرز التقرير العام للنموذج التنموي الجديد كخارطة طريق متكاملة تستوجب تسريع وتيرة معالجة هذه الاختلالات عبر آليات عملية تتجاوز الحلول الترقيعية. وتتطلب المرحلة الحالية تفعيل مقومات العدالة المجالية وإنصاف الجهات والأقاليم من خلال التوزيع العادل للمشاريع العمومية والميزانيات وتجهيز البنى التحتية المحلية، مع اعتماد التشاور المحلي كنهج أساسي لإشراك الساكنة والفاعلين في صياغة المشاريع التنموية وفق مؤهلات كل منطقة. كما يتعين ربط التكوين المهني بحاجيات سوق الشغل الفعلية لمواجهة معدلات البطالة المرتفعة، خاصة بين الشباب وحملة الشهادات، ومواكبة النسيج المقاولاتي القائم على المقاولات الصغيرة والمتوسطة عبر تسهيل ولوجها للتمويل والصفقات العمومية لتصبح المحرك الرئيسي للاقتصاد المحلي.
​إن مقياس قوة الأمم لم يعد يُقاس فحسب بحجم المشاريع الكبرى والأرقام الماكرو-اقتصادية الصماء، بل بقدرتها على العناية بالعنصر البشري وردم الهوة المتسعة بين طبقة تنعم بجميع أسباب الرفاه وأخرى ترزح تحت خط العزلة والفقر. ومن هذا المنطلق، تشكل الأورش الوطنية الكبرى مثل تعميم الحماية الاجتماعية والدعم الاجتماعي المباشر ركيزة أساسية لبناء طبقة متوسطة متماسكة وقادرة على الإنتاج والاستهلاك، ومساهمة في إنعاش الاقتصاد الوطني وتعزيز مداخيل صناديق التقاعد والتعويضات الاجتماعية. وإن الرهان المطروح على الحكومة والمؤسسات لم يعد يقتصر على تسجيل نسب نمو معينة، بل بات يرتبط وثيقاً بمدى القدرة على ترجمة هذه الأرقام إلى عدالة توزيعية ملموسة، تضمن تكافؤ الفرص في الولوج للخدمات العمومية والصحة والتعليم ذي الجودة، وتكرس الشفافية والنزاهة في المباريات والتوظيفات وصنع القرار، صوناً لكرامة المواطن وحفاظاً على الاستقرار والسلم الاجتماعي.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button