كتاب الرأي

تجار الأزمات ومستوردو القضايا: متى يستفيق الوعي من غيبوبته؟

​ذ: رشيد فاسح

​في كل منعطف تاريخي واجتماعي يمر به وطننا، تبرز على السطح طفيليات الفكر وسماسرة المواقف؛ أولئك الذين أدمنوا الإستثمار في الوهم والإقتتات على توجيه الأنظار والبوصلة نحو وجهات مفصولة عن الواقع. إنهم “تجار الأزمات”، الذين تحولوا إلى مستوردين محترفين لقضايا من خارج الحدود، متخذين منها مطايا لذغذة وإستمالة المشاعر الرهيفة للاستهلاك الإعلامي العابر والهروب الأمامي المستمر من الاستحقاقات الحقيقية للمجتمع المغربي .
ووحده السؤال الحارق يبقى مشروعاً ومظلماً في آن: هل لازال هؤلاء في غيبوبتهم المزمنة، أم أنهم يستمرون في تشميع وتحنيط الوعي والإدراك عن قصد وترصد لخدمة أجندات خارج الحدود مغرضة ومريضة تتغيا وضع موطأ قدم يتسلل كالسم في جسم الوطن، ضدا على قيم وتاريخ المجتمع المغربي ؟

إن ​استيراد المعارك والقضايا بشكل مستمر أكثر من أصحابها واذمعنيين بها هو هروب من نبض الأرض والتنمية الحقيقية
ف​حين يغيب المشروع المجتمعي النابع بعمق من تراب وحصى الواقع وتناقضاته، يلجأ المسترزقون بالخطاب إلى “استيراد” قضايا جاهزة، معلبة ومفصولة كلياً عن السياق الجغرافي والثقافي والاجتماعي والديني للوطن. إن هذا السلوك لا يعدو أن يكون هروباً مفضوحاً من مواجهة الأولويات الملحة التي تشكل عصب الحياة اليومية للمواطن، كالعدالة المجالية، وحماية الموارد والمقدرات الطبيعية والبشرية المهددة، وتجويد شروط العيش الكريم.

​بدل الانشغال ببناء جبهة داخلية صلبة تواجه تحديات التنمية المستدامة والسيادة المحلية، يصر هؤلاء على افتعال معارك افتراضية ومفتعلة ضد السلطات الأمنية لحفظ النظام العام لتسجيل فيديوهات نفسية مرضية حول حبكة درامية تشيطن الأمن والسلطات والمجتمع وكل معارض لذلك، معارك مسرحية مفتعلة لا تقدم ولا تؤخر في ميزان التنمية، بل تساهم بشكل مباشر في تعميق الهوة والشرخ بين نخب (سياسية معينة) منفصلة تعيش على التأجيج المستمر واصطياد الأوهام ، وشارع حقيقي يعاني بصمت ويكابد إكراهات الوجود.

ف​الأزمات كمطايا للمصالح الشخصية والمقاولاتية
​بالنسبة لتجار الأزمات، ليست القضايا العادلة سوى سلع موسمية تُعرض في سوق المزايدات الرخيصة. إنهم يتعاملون مع الهموم الكبرى بمنطق المقاولات العابرة، حيث تُحسب المكاسب على ميزان الصخب الإعلامي والمصالح الشخصية الضيقة، لا على ميزان الأثر التنموي أو الحقوقي الملموس على أرض الواقع.

​هذا التحويل الممنهج للنقاش العمومي إلى صخب عقيم لا يسعى إلا إلى تعطيل مسار التفكير العقلاني والبناء الهادئ.
إنهم يستغلون التحديات الهيكلية للمجتمع لتحقيق مكاسب رمزية أو مادية عابرة، غير آبهين بما يترتب عن ذلك من استنزاف لطاقات الأمة واستهلاك عبثي للوقت والجهد الوطنيين.

​نعم تلزمنا اليوم قبل الغذ صحوة وطنية تقرأ الواقع بلا رتوشات.

​إن مواجهة هذه الظاهرة الوبائية تقتضي بالضرورة إرساء وعي نقدي حاد وصلب، يرفض الوصاية الفكرية ويسفه كل محاولات الاستبلاب.
فلا مفر اليوم من العودة إلى الجوهر، والتركيز على قضايا السيادة المحلية، وصيانة المكتسبات الوطنية، أضلاع الأعطاب التنموية بمسؤولية وحماية الإنسان والمجال من العبث الممنهج.

​إن تحصين الجبهة الداخلية يمر حتماً عبر تعرية “العشائرية الفكرية” وفضح أساليبها أمام الرأي العام، ليبقى الولاء أولاً وأخيراً لمصلحة الوطن ومواطنيه، ولتظل البوصلة موجهة نحو قضايا الأرض والإنسان الحقيقية بعيداً عن بازار الاستيراد الفكري والوصاية العابرة للحدود.

ب​المختصر المفيد، إن الوطن لا يحتاج إلى مستوردي شعارات ولا إلى تجار أزمات يعيشون خارج الزمن وخارج جغرافية الهم اليومي للوطن والمواطن، بل يحتاج إلى سواعد وعقول حية تقرأ نبض الأرض بعمق، وتواجه التحديات بشجاعة وواقعية دون وضع أقنعة واللعب على العواطف ودراما مآسي العالم.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button