تجربة الإعلامية المغربية الأمازيغية عزيزة نايت سي بها من أيت سدرات… إلى شاشات العالم
في زمنٍ ما تزال فيه كثير من الصور النمطية تُقيّد طموح المرأة، تبرز المرأة الأمازيغية كقصة نجاح متجددة، قادمة من عمق الجبال والقرى، حاملةً معها قيم الصبر، الاجتهاد، والاعتزاز بالهوية. ومن بين هذه النماذج المضيئة، تتجسد تجربة الإعلامية المغربية الأمازيغية عزيزة نايت سي بها، كعنوان لمسار استثنائي لامرأة صنعت ذاتها بنفسها، وفرضت حضورها داخل واحد من أبرز المنابر الإعلامية الدولية.
من أيت سدرات… إلى شاشات العالم
تنحدر عزيزة نايت سي بها من دوار أيت علي وحساين بالجماعة القروية آيت سدرات السهل الغربية بإقليم قلعة مكونة، وهي منطقة أمازيغية عُرفت تاريخيًا بتشبثها بالعلم والعمل رغم محدودية الإمكانيات. هناك تشكّل وعيها الأول، وهناك تشربت قيم الأسرة الأمازيغية التي ترى في التعليم سلّمًا للارتقاء الاجتماعي.
حصلت عزيزة على بكالوريا علوم رياضية، وبدأت مسارها الجامعي في شعبة الفيزياء والرياضيات، غير أن شغفها المبكر بالإعلام والصحافة قادها إلى اتخاذ قرار جريء: تغيير المسار، ومتابعة حلمها مهما كانت التحديات.
الصحافة اختيار قناعة لا صدفة
اختارت عزيزة طريق الصحافة عن قناعة، وحصلت على ماجستير في الصحافة من معهد العلوم السياسية بباريس، أحد أعرق المعاهد الأوروبية. قبل ذلك، بدأت مسيرتها الإعلامية من المغرب عبر مجلة “كيفاش”، ثم التحقت سنة 1997 بالقسم الثقافي لجريدة “لوماتان” المغربية الناطقة بالفرنسية، حيث راكمت تجربة مهنية مهمة إلى غاية سنة 2004.
لكن الطموح لم يتوقف عند هذا الحد. قررت العودة إلى مقاعد الدراسة بباريس، تخصص السمعي البصري، مهاجرةً وحدها، معتمدة على نفسها، في تجربة تعكس قوة الشخصية الأمازيغية وإيمانها بالقدرة على تجاوز الصعاب.
من إذاعة مونت كارلو إلى فرانس 24
خلال سنتها الأولى بباريس، اشتغلت كصحافية في إذاعة مونت كارلو الدولية الناطقة بالعربية، قبل أن تلتحق سنة 2006 بـقناة فرانس 24 الناطقة باللغة العربية، منذ انطلاقتها الأولى. وهناك، شقّت طريقها بثبات لتصبح واحدًا من الوجوه الإعلامية البارزة في المشهد العربي.
من خلال برنامجها الحواري “ضيف ومسيرة”، استطاعت عزيزة أن تقدم نموذجًا للإعلام الرصين، القائم على العمق، الإنصات، واحترام ذكاء المشاهد، مسلطة الضوء على مسارات شخصيات مؤثرة من مختلف المجالات.
ريادة نسائية وهوية حاضرة
إلى جانب عملها الإعلامي، تشغل عزيزة نايت سي بها منصب رئيسة شركة الاستشارات الإعلامية Lead-Up، كما أسست شركة TAJA Sport، أول منصة إعلامية تختص حصريًا بـالرياضة النسائية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، في مبادرة رائدة تعكس إيمانها بدور الإعلام في الإنصاف والتمكين.
المرأة الأمازيغية… من الهامش إلى التأثير
قصة عزيزة نايت سي بها ليست حالة معزولة، بل هي امتداد لمسار طويل من نضال المرأة الأمازيغية، التي انتقلت من فضاءات الهامش إلى مواقع القرار والتأثير، دون أن تتخلى عن جذورها أو لغتها أو قيمها.
إنها قصة امرأة أمازيغية آمنت بأن الهوية ليست عائقًا، بل قوة، وبأن القرية يمكن أن تكون بداية لحلم عالمي، وبأن الاجتهاد والمعرفة قادران على كسر كل الحدود.
هكذا تكتب المرأة الأمازيغية اسمها في التاريخ المعاصر: بثقة، وكفاءة، واعتزاز بالأصل.




