الدكتور سدي علي ماء العينين :الشريف”… “إكرام”: تمييز أم امتياز؟… كنز قيم أم ابتزاز؟
بقلم الدكتور: سدي علي ماء العينين – أكادير.عندما كنت صغيراً وأخرج إلى الشارع أو أذهب إلى المدرسة، كنت أحار في أمر الناس بين من يناديني “سيدي علي”، وهو الاسم الذي خرجت به من بيتنا، وبين من يرى في عبارة “سيدي” مذلةً أو سيادةً لا مبرر لها فتجده يناديني “علي” مجردة. وآخرون وهم كثر من رجال ونساء بلدتي، من الجيران وصاحب الدكان، كانوا ينادونني باللغة المحلية: (الشريف مزين) أي الصغير. كنت في أحيان كثيرة أجري إلى حضن أمي باكياً وحائراً: لماذا يغير الناس اسمي؟ لم أكن أفهم معنى “سيدي” ولا “الشريف”، كنت طفلاً صغيراً يكتشف التواصل مع الناس ولا يطمع سوى في أن ينادوه مثل كل الأطفال باسم واحد، الاسم الذي سماه به والده. وكبرت وفهمت معنى كل الأسماء؛ ففي المغرب كما في كثير من الدول العربية، هناك تمييز بين الساكنة، وهو تمييز بعيد عن مقتضيات الدستور، لكنه تراكم تاريخي يتعلق بالانتساب إلى الدوحة الشريفة. وعند الأمازيغ الذين فتح بلادهم المسلمون، يستعملون تسمية “إكرام” (أگرم AGRRAM ⴰⴳⵔⵔⴰⵎ) وجمعها “إكرامن”، وهي تعني في الاستعمال الأمازيغي الولي الصالح، كما تطلق تجاوزاً على أبنائه وحفدته بصفة عامة. إن الانتساب إلى الأدارسة، وهم أبناء إدريس الثاني بن إدريس الأول بن عبد الله الكامل بن الحسن بن فاطمة الزهراء بنت الرسول وزوج علي بن أبي طالب، يخول لصاحبه صفة “الشريف” أو “سيدي”، وهذا الانتساب يمنحه مكانة دينية واجتماعية في الهرم الاجتماعي.لقد أصبح الانتساب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، بما يفرضه ذلك من نبل في الأخلاق وسمو في الدرجات ومكانة عالية، وسيلة من وسائل الاستغلال، وأصبح لقب “الشريف” أو “الشريفة” عند البعض بمثابة “جواز مرور”، وتحول الشريف -الذي يقابله المصلح النبيل في أوروبا، والمتعفف والمتواضع- إلى نصاب وكذاب ومستغل ومبتز! في القرن الخامس عشر سيظهر معطى آخر مرتبط بالسلالة النبوية الشريفة، من خلال ظهور الزوايا والطرق الدينية، وأصبح لزاماً على كل شيخ طريقة أن يتبنى نسباً شريفاً كي يكتسب قوة روحية ويكتمل طموحه نحو الولاية الصوفية، ويضمن الاعتراف ببركته المستمدة من الشرف كعامل وراثي والورع الصوفي كمسار روحاني مكتسب. فتَبجيل آل البيت والاعتقاد ببركتهم والتقرب منهم كان حاضراً بقوة في المجتمع المغربي، وأي طامح لمكانة سياسية أو دينية سيعمل على توظيف النسب الشريف.إن الدولة المغربية تسير ( من التسيير ) بسرعتين: سرعة حداثية وسرعة تقليدانية؛ فالسلطة الملكية حداثية لكن النسب النبوي مستحضر في شرعيتها، وفي ظل تشجيع التعددية الحزبية وجمعيات المجتمع المدني، هناك تشجيع للزوايا والطرق المستندة على الانتساب النبوي. فهل يمكن اليوم اعتبار الانتساب إلى آل البيت بمثابة تمييز مجتمعي يجب القطع معه لضمان نظام علائقي مبني على المواطنة؟ سؤال يجد جوابه عند دعاة الحداثة بأن مثل هذه الألقاب تمس شرط المساواة بين المواطنين، لكن في محاولة لفهم ذهنية المجتمع، فهذا المقام ليس امتيازاً ولكنه حقيقة تثبتها شجرة الأنساب. ولأن العرق دساس، فإن الانتماء لنسب نبوي لا يعني تمييزاً مجتمعياً، بل هو في حقيقة الأمر “شرطي قيم” يدفع صاحبه إلى الحرص على أن يكون سلوكه مترجماً للقب الذي يرثه. إن الأمر لا يعني النظرة الدونية للآخر المشترك معك في الحقوق والواجبات، لكنه في فهمه الصحيح محفز للمرء أن يكون سلوكه ترجمة لنسبه بكل القيم التي يحملها.قد تبدو ظاهرة شراء شجرة الأنساب وتزويرها راجعة إلى ما كانت تحتله صفة الشريف من امتياز إداري واجتماعي، كما هو الحال لكنيات مثل “العلوي” أو أسماء عائلات فاسية معروفة بعلمها ومقاومتها وجاهها. أنا كأحد المنتسبين إلى هذا اللقب مثلاً، أعتبره مسؤولية أكثر منه امتيازاً أو تمييزاً؛ لذلك سيكون مفيداً للنظام العلائقي المجتمعي أن تكون عملية الانتساب مرجعية فكرية توجه السلوك، فالشريف أو “إكرام” عليه أن يترجم سلوكه الانتماء لهذا النسب الشريف، كما على المنتسب مثلاً للاشتراكية أن يكون اشتراكياً سلوكاً وممارسة، بأن يكون مشبعاً بالقيم الكونية. أما موضوع الكرامات فذلك موضوع شائك يصعب تناوله بالمفاهيم الحديثة سواء بالقبول به أو رفضه باسم العلم والحداثة. وفي تقديري، ليس العيب أن تُلقب بالشريف بالوراثة، لكن العيب أن تشتري اللقب أو حتى تنتمي إليه ويكون سلوكك بعيداً عن الشرف والقيم النبيلة، فهل تعتبرون؟




