Uncategorized

حين يتحول النجاح إلى تهم سياسية…

في المشهد العمومي، لم يعد الغريب هو النقد، بل الغريب هو هذا الإصرار المتكرر على تحويل كل فعل شبابي منظم إلى قضية اتهام مسبق. وكأن الأصل في المبادرات السياسية الناجحة هو الشك، وليس التقييم.

الجامعة الصيفية للشبيبة التجمعية في نسختها السادسة لم تكن حدثاً تنظيمياً عادياً، بل لحظة سياسية شبابية مكثفة، جمعت مئات المشاركين من مختلف جهات المملكة في فضاء واحد، حيث حضر النقاش، وغابت الفوضى، وتقدمت الأسئلة الجادة على الضجيج الافتراضي.

ومع ذلك، وكما يحدث في كل مرة، لم يحتج البعض إلى انتظار المخرجات أو الاستماع إلى مضامين النقاش. كانت الأحكام جاهزة مسبقاً: الموارد، اللوجستيك، النقل، الفنادق… نفس القاموس يتكرر، وكأن أي تنظيم ناجح لا يمكن أن يُفهم إلا عبر فرضية واحدة: أنه لا يمكن أن يكون ناجحاً بطبيعته.

هنا بالضبط يبدأ الخلل.

حين يتحول الفعل السياسي الشبابي من موضوع نقاش إلى موضوع تشكيك دائم، فنحن لا نكون أمام اختلاف في الرأي، بل أمام محاولة مستمرة لتقويض الشرعية الرمزية لأي تجربة لا تنتمي لنفس الدائرة الفكرية.

الأدهى من ذلك، أن بعض الأصوات التي تقدم نفسها كـ”حارسة للنقد”، لم تعد تناقش الأفكار أصلاً، بل تمارس نوعاً من العمى الانتقائي: ترى كل شيء إلا المضمون، وتسمع كل شيء إلا النقاش، وتختزل أي حدث في رواية واحدة جاهزة ومسبقة.

وكأن المطلوب ليس فهم ما يجري، بل إلغاؤه معنوياً.

لكن ما يتم تجاهله عمداً هو أن الجامعة الصيفية لم تكن مجرد صورة تنظيمية أو لحظة بروتوكولية، بل كانت فضاءً حقيقياً لنقاش السياسات العمومية، وتبادل الأفكار بين شباب قادم من جهات متعددة، وممارسة سياسية جديدة قوامها التأطير بدل الارتجال، والحوار بدل الشعارات.

إن الإصرار على اختزال كل هذا في سردية “الإنفاق” و”اللوجستيك” ليس نقداً، بل هروب من مواجهة سؤال أبسط وأعمق في الآن نفسه: ماذا يُنتج الآخرون مقابل ما يتم إنجازه فعلاً؟

في السياسة، النقد حق مشروع، بل ضرورة. لكن حين يتحول النقد إلى نمط ثابت من نزع القيمة عن أي نجاح، يصبح الأمر أقرب إلى موقف مسبق منه إلى تحليل موضوعي.

اللافت أن هذا الخطاب لا يتعامل مع الحدث بحد ذاته، بل مع الجهة التي تنتجه. لذلك، مهما كانت جودة التنظيم أو عمق النقاش، فإن النتيجة تكون محسومة سلفاً في ذهن البعض: لا شيء يستحق الاعتراف.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: نجاح يُرى ولا يُراد الاعتراف به، تجربة تُعاش ويتم إنكار أثرها، وشباب يُشارك بجدية ويتم التعامل معه كأنه تفصيل هامشي داخل سردية جاهزة.

إن أخطر ما يهدد النقاش العمومي اليوم ليس قوة الفاعلين السياسيين، بل ضعف القدرة على الاعتراف بالتحولات التي تحدث أمامنا. لأن السياسة التي ترفض رؤية الواقع كما هو، تتحول تدريجياً إلى خطاب يكرر نفسه دون أثر.

لقد قالت هذه النسخة من الجامعة الصيفية كلمتها بالفعل: التنظيم ممكن، النقاش ممكن، والانخراط الشبابي الجاد ممكن. وما تبقى من ضجيج التشكيك، لا يعدو أن يكون صدى متأخراً أمام واقع يفرض نفسه بصمت.

وفي النهاية، قد يختلف الناس حول كل شيء، لكن لا يمكن دائماً الهروب من حقيقة بسيطة: بعض النجاحات لا تُناقش، بل تُزعج فقط.

متابعة مصطفى السباعى

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button