محمد الطيار، رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، يدعو البرلمان المغربي إلى تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية

حوار أجراه: الأستاذ حسن كرياط
في إطار مواكبتها لمختلف القضايا السياسية والاستراتيجية الراهنة، تقدم جريدة أصداء الجهة لقرائها هذا الحوار الذي أجراه الأستاذ حسن كرياط مع الدكتور محمد الطيار، رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، حول مستجدات ملف الصحراء المغربية والتحولات السياسية والدبلوماسية والأمنية المرتبطة به.
ويتناول الحوار رؤية الدكتور محمد الطيار والمرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية بشأن عدد من القضايا المرتبطة بالملف، من بينها مراجعة المقاربتين الأمنية والقانونية، والدعوة إلى فتح نقاش تشريعي داخل البرلمان المغربي حول إمكانية تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية، فضلاً عن تقييم دور الجزائر، والتحرك الدبلوماسي على المستوى الدولي، وتعزيز المنظومة الدفاعية والأمنية للمملكة.
كما يتطرق الحوار إلى الأبعاد القانونية والمؤسساتية لهذه المقترحات، والسيناريوهات المحتملة لتطور النزاع وانعكاساته على الأمن والاستقرار الإقليميين.
وفي ما يلي النص الكامل للحوار:
السؤال الأول: كيف يقرأ المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية التحولات الأخيرة التي يعرفها ملف الصحراء المغربية، وما انعكاساتها على مستقبل تدبير النزاع؟
الدكتور محمد الطيار:
نحن أمام مرحلة سياسية ودبلوماسية جديدة في مسار قضية الصحراء المغربية، تفرض قراءة متأنية للتحولات الجارية، واستحضار انعكاساتها على موازين القوى الإقليمية والدولية، وعلى مستقبل آليات تدبير هذا النزاع.
إن التحولات التي يعرفها الملف لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد تطورات ظرفية أو محطات دبلوماسية عابرة، بل يتعين التعامل معها باعتبارها مؤشرات تستدعي مراجعة عدد من الفرضيات والمقاربات التي حكمت التعاطي مع النزاع خلال العقود الماضية.
ومن هذا المنطلق، يرى المرصد أن المرحلة الراهنة تستوجب تطوير رؤية استراتيجية متكاملة تجمع بين العمل الدبلوماسي، والتحرك القانوني، وتعزيز القدرات الدفاعية والأمنية، بما يحفظ المصالح العليا للمملكة المغربية ويصون وحدتها الترابية.
كما أن أي تحول في مسار التسوية السياسية ينبغي أن يقترن بتقييم موضوعي للتهديدات المحتملة، واستشراف السيناريوهات المستقبلية، والاستعداد لمختلف الاحتمالات وفق رؤية مؤسساتية واضحة.
السؤال الثاني: دعا المرصد إلى مراجعة المقاربة الأمنية والقانونية تجاه جبهة البوليساريو. ما المبررات التي تستند إليها هذه الدعوة؟
الدكتور محمد الطيار:
إن الدعوة إلى مراجعة المقاربة الأمنية والقانونية تنطلق من ضرورة مواكبة التحولات الإقليمية والدولية، وعدم الاكتفاء بالآليات التقليدية في التعامل مع التحديات المرتبطة بالنزاع.
فالمقاربة الأمنية وحدها، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تحقق أهدافها الاستراتيجية إذا لم تكن مدعومة بإطار قانوني واضح، ورؤية دبلوماسية متماسكة، وآليات مؤسساتية قادرة على تحديد المسؤوليات والتعامل مع مختلف التهديدات.
ومن هنا، نرى ضرورة فتح نقاش وطني مسؤول حول الوضع القانوني لجبهة البوليساريو، ومدى ملاءمة اعتماد مقاربة تشريعية جديدة تجاهها، بما في ذلك دراسة إمكانية تصنيفها منظمة إرهابية، استناداً إلى الأدلة والمعايير القانونية المعتمدة.
وأؤكد أن هذا التوجه ينبغي أن يخضع لدراسة قانونية ومؤسساتية دقيقة، تراعي التشريع المغربي والتزاماته الدولية، وتحدد بوضوح الآثار القانونية المترتبة عن أي تصنيف محتمل.
إن هدفنا هو الانتقال من مجرد توصيف التهديدات والمخاطر إلى بناء منظومة متكاملة للتعامل معها.
السؤال الثالث: دعا المرصد البرلمان المغربي إلى إطلاق مسار تشريعي يرمي إلى تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية. كيف يمكن تنزيل هذا المقترح على المستوى الوطني؟
الدكتور محمد الطيار:
نعتبر أن المؤسسة التشريعية تضطلع بدور أساسي في مناقشة القضايا المرتبطة بالأمن القومي والوحدة الترابية، وفي تطوير المنظومة القانونية بما يتلاءم مع التحديات المستجدة.
ومن هذا المنطلق، ندعو البرلمان المغربي إلى فتح نقاش تشريعي ومؤسساتي جاد بشأن إمكانية تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية، ودراسة الآليات القانونية التي يمكن اعتمادها لتحقيق هذا الهدف، إذا ثبتت شروطه وفق القانون.
ويتطلب هذا المسار دراسة دقيقة للمقتضيات التشريعية ذات الصلة، وتحديد المعايير الموضوعية للتصنيف، وضبط الإجراءات والجهات المختصة، فضلاً عن بيان الآثار القانونية التي يمكن أن تترتب عليه.
فهناك أدلة موثوقة تتعلق باستهداف المدنيين العزل في الصحراء المغربية والاختطافات والتهجير القسري وقصف البلدات.
السؤال الرابع: هل ينبغي أن يظل هذا التوجه محصوراً في الإطار الوطني، أم أن المرصد يدعو إلى تحرك دولي موازٍ، خصوصاً في الولايات المتحدة الأمريكية؟
الدكتور محمد الطيار:
من وجهة نظرنا، فإن أي مقاربة استراتيجية فعالة ينبغي أن تجمع بين المبادرة الوطنية والتحرك الدبلوماسي والقانوني على المستوى الدولي.
ولهذا، ندعو إلى فتح قنوات اتصال مع الكونغرس الأمريكي والمؤسسات التشريعية في الدول الصديقة والحليفة للمملكة المغربية، من أجل عرض المعطيات والتقييمات القانونية والأمنية المرتبطة بهذا الملف، ومناقشة إمكانية اتخاذ مبادرات تشريعية بشأن تصنيف جبهة البوليساريو.
غير أن هذا التوجه يقتضي التمييز بين المواقف السياسية الداعمة للمغرب وبين الإجراءات القانونية الرسمية التي تخضع لتشريعات كل دولة ومؤسساتها المختصة.
فالتصنيف في الولايات المتحدة أو في غيرها من الدول ليس قراراً تلقائياً، وإنما يخضع لمساطر قانونية ومؤسساتية محددة، ولمعايير وأدلة يتعين تقديمها وتقييمها.
السؤال الخامس: في بيان المرصد، حمّلتم الجزائر مسؤولية سياسية وإقليمية عن استمرار النزاع. كيف تفسرون هذا الموقف؟
الدكتور محمد الطيار:
إن معالجة ملف الصحراء المغربية تقتضي النظر إلى مختلف الأطراف الفاعلة فيه، وعدم اختزال النزاع في بعده الثنائي أو في العلاقة بين المغرب وجبهة البوليساريو فقط.
فالجزائر تضطلع بدور محوري في هذا الملف، بالنظر إلى احتضانها قيادة الجبهة ودعمها السياسي واللوجستي لها، وهو ما يجعل من الضروري إخضاع طبيعة هذا الدور وتداعياته لتقييم سياسي وقانوني موضوعي.
ونرى أن استمرار النزاع يفرض طرح أسئلة جوهرية بشأن مسؤولية الأطراف المختلفة، ومدى مساهمة مواقفها وسياساتها في إطالة أمده، وما يترتب عن ذلك من انعكاسات على الأمن والاستقرار والتنمية في المنطقة المغاربية.
ومن هذا المنطلق، ندعو إلى تقييم دولي جاد لمسؤوليات الجزائر، يستند إلى الوقائع والمعطيات الموثقة والقواعد القانونية ذات الصلة، بما يتيح الانتقال من تبادل الاتهامات السياسية إلى نقاش مسؤول حول المسؤوليات والالتزامات.
إن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يتحقق بصورة مستدامة ما لم تتوفر الإرادة السياسية لمعالجة أسباب النزاع، واحترام سيادة الدول ووحدتها الترابية، وتغليب الحلول السياسية والقانونية التي تضمن الأمن والتنمية لشعوب المنطقة.
السؤال السادس: على المستوى الأمني والترابي، دعا المرصد إلى تعزيز المنظومة الدفاعية للمملكة وتأمين الحدود، كما أشار إلى المنطقة الواقعة شرق الجدار الأمني. ما طبيعة المقاربة التي تقترحونها؟
الدكتور محمد الطيار:
إن حماية الوحدة الترابية والأمن الوطني تقتضي اليقظة الدائمة، وتعزيز القدرات الدفاعية، وتطوير آليات مراقبة الحدود، ورفع مستوى التنسيق بين المؤسسات المختصة، بما يتناسب مع طبيعة التحديات القائمة والمحتملة.
ونؤكد أن تأمين المجال الترابي الوطني ليس إجراءً ظرفياً، بل هو جزء من استراتيجية مستمرة لحماية المواطنين والمنشآت الحيوية وضمان الاستقرار.
كما ندعو إلى تعزيز الجاهزية الدفاعية، وتطوير وسائل الرصد والمراقبة، وتكثيف التنسيق المؤسساتي، مع الحرص على أن تظل التدابير المتخذة منسجمة مع القانون الدولي والالتزامات ذات الصلة.
إن الدفاع عن الوحدة الترابية يقتضي الجمع بين قوة المؤسسات، ووضوح الموقف القانوني، والجاهزية الأمنية، والحكمة في تدبير التطورات الميدانية، بما يحفظ المصالح العليا للمملكة ويحول دون أي تصعيد غير محسوب.
السؤال السابع: تحدثتم عن ضرورة استعادة السيطرة المغربية الكاملة على المنطقة الواقعة شرق الجدار الأمني. كيف ينبغي فهم هذه الدعوة في ضوء الاعتبارات القانونية والدولية؟
الدكتور محمد الطيار:
إن حماية السيادة الوطنية تظل مبدأ أساسياً في تصورنا. ونرى أن أي نشاط مسلح في المنطقة العازلة شرق الجدار الأمني يشكل تهديداً للأمن الوطني ينبغي التعامل معه بالوسائل المشروعة التي يتيحها القانون والدفاع المشروع، مع مراعاة شروط الضرورة والتناسب والقواعد المنظمة لاستخدام القوة.
وفي هذا الإطار، يظل المقترح المتعلق بتصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية أحد الملفات التي ندعو إلى دراستها ومناقشتها على المستوى التشريعي والقانوني، في إطار مؤسساتي مسؤول.
السؤال الثامن: كلمة أخيرة لقراء هذا الحوار؟
الدكتور محمد الطيار:
إن قضية الصحراء المغربية تظل قضية وطنية تتطلب تعبئة مستمرة، وعملاً مؤسساتياً متواصلاً، واستحضاراً للمسؤولية التاريخية في الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة.
ونحن في المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية نؤمن بأن البحث العلمي والتحليل الاستراتيجي يشكلان رافعتين أساسيتين لدعم القرار الوطني، واستشراف التحولات، وتطوير المقاربات القادرة على مواجهة التحديات.
ومن هذا المنطلق، نجدد دعوتنا إلى فتح نقاش قانوني وتشريعي مسؤول بشأن تصنيف جبهة البوليساريو، وتقييم دور الجزائر في استمرار النزاع، وتعزيز المنظومة الدفاعية والأمنية للمملكة، مع الالتزام بالقانون الدولي والعمل على ترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة.
إن المرحلة المقبلة تستدعي وضوح الرؤية، وقوة الحجة، وحسن تقدير التحولات، وتكامل الأدوار بين المؤسسات الوطنية، بما يخدم المصالح العليا للمغرب ويعزز فرص بناء فضاء مغاربي يسوده الاستقرار والتعاون والتنمية.
حوار: الأستاذ حسن كرياط

- السيد محمد الطيار، رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية