Uncategorized

بقايا قلعة أمازيغية أخرى في سوس… ذاكرة ما قبل الإسلام تُقاوم النسيان


في عمق بلاد سوس، جنوب المغرب، وبين تضاريس جبلية ووديان صامتة، تطفو إلى السطح بقايا قلعة أمازيغية جديدة تعود إلى الفترة السابقة لدخول الإسلام إلى المنطقة، لتعيد فتح ملف الذاكرة العمرانية والتاريخية التي طالها الإهمال، وتهددها عوامل الطبيعة وتجاهل الإنسان على حد سواء.
هذه القلعة، التي لم تحظَ بعد بدراسة أثرية شاملة أو تصنيف رسمي ضمن التراث الوطني، تُعد شاهداً مادياً على مرحلة تاريخية مفصلية في تاريخ سوس، حيث عرفت المنطقة تنظيماً سياسياً واجتماعياً متقدماً، تجسّد في تشييد القلاع والحصون الجماعية التي لعبت أدواراً دفاعية واقتصادية وروحية في حياة الأمازيغ.
عمارة أمازيغية ضاربة في القدم
تُظهر المعالم المتبقية للقلعة أساليب بناء تقليدية تعتمد على الحجر الجاف والطين المدكوك، مع اختيار دقيق للموقع فوق مرتفع صخري يتيح مراقبة المسالك والوديان المجاورة. وهي خصائص معمارية تميّز القلاع الأمازيغية في سوس، التي كانت تُبنى وفق منطق التكيّف مع الطبيعة والدفاع عن المجال الحيوي للقبيلة.
ويؤكد باحثون في التاريخ المحلي أن هذه القلاع لم تكن مجرد منشآت عسكرية، بل مراكز تنظيم جماعي، تُدار فيها شؤون الساكنة، وتُخزن فيها المؤن، وتُحفظ فيها القيم الجماعية التي ميّزت المجتمع الأمازيغي قبل الإسلام.
اختفاء مئات القلاع… جرح مفتوح في الذاكرة
اكتشاف هذه القلعة يعيد إلى الواجهة سؤال اختفاء مئات القلاع والحصون الأمازيغية التي كانت تنتشر في سوس والأطلس الصغير. فحسب تقديرات غير رسمية، اندثر عدد كبير منها بشكل شبه كلي، بفعل عوامل طبيعية كالتعرية والزلازل والأمطار، وأخرى بشرية أخطر، أبرزها الإهمال، ونهب الحجارة، والتوسع العمراني العشوائي، وغياب سياسات واضحة لحماية التراث غير المصنف.
ويحذر مهتمون بالشأن الثقافي من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى ضياع جزء مهم من تاريخ المغرب العميق، خاصة أن العديد من هذه المواقع لم تُوثق بعد، ولم تُدرج ضمن الخريطة الوطنية للمآثر التاريخية.
مسؤولية جماعية واستعجال التدخل
أمام هذا الواقع، تتعالى الأصوات المطالبة بتدخل عاجل من وزارة الثقافة، والمعاهد الجامعية، والجماعات الترابية، من أجل إطلاق عمليات جرد علمي، وتنقيبات أثرية، وتصنيف هذه المواقع ضمن التراث الوطني، مع إشراك الساكنة المحلية في حمايتها وتثمينها.
كما يرى فاعلون جمعويون أن هذه القلاع يمكن أن تتحول إلى رافعة للتنمية الثقافية والسياحية، إذا ما تم تأهيلها وإدماجها ضمن مسارات السياحة التاريخية، بما يحفظ الذاكرة ويخلق فرصاً اقتصادية للمنطقة.
ذاكرة تُنقذ أو تُدفن
إن بقايا هذه القلعة الأمازيغية ليست مجرد أحجار صامتة، بل صفحات من تاريخ سوس والمغرب قبل الإسلام، تنتظر من يقرأها ويحميها من الاندثار. وبين الإهمال والاستعجال، يبقى السؤال مطروحاً: هل ننجح في إنقاذ ما تبقى من ذاكرة الأجداد، أم نتركها تُدفن نهائياً تحت ركام النسيان؟

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button