Uncategorized

أزمة النفايات الموسمية بالمدن: معضلة الإختيار بين التدبير المفوض والذاتي.. وحين تتخلف مقتضيات القانون 28.00 عن التنزيل الميداني

ذ: رشيد فاسح

​لم يعد خافياً على أحد أن التراكم اليومي للنفايات المنزلية والمماثلة لها قد تحول، خلال هذا الصيف والصيف الماضي، إلى بؤرة سوداء ونقطة تشغل بال الجميع في مجمل الأحياء والتجمعات الحضرية والساحلية. وعلى الرغم من الجهود المضنية التي تبذلها الموارد البشرية لعمال النظافة والسائقين والمشرفين من الأطر الجماعية مشكورين على مايبدلونه من مساعي ميدانياً،
إلا أن الإعتماد المستمر على نفس الطرق ونفس الترسانة اللوجيستيكية التقليدية مع كل فصل صيف يجعل هذه المجهودات كمن يحرث في بحر.

​وبالعودة إلى الأسباب والدواعي، ومن واقع المتابعة الميدانية ورصد هذه المعضلة المتنامية سنوات مضت، يتأكد بالملموس أن تدبير هذا القطاع الحيوي بالجماعات الترابية الحضرية والقروية بات يحتاج إلى مقاربة مستقبلية جريئة تستحضر روح وجوهر القانون رقم 28.00 المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها، قبل أن تنفجر تداعياتها الإيكولوجية والبيئية في وجوه الجميع.

​قراءة تحليلية في جذور الأزمة: بين مفارقات التدبير، وهفوات التنزيل القانوني.

​إن المتأمل في واقع التدبير الميداني يدرك بوضوح وجود هوّة عميقة بين الأهداف الكبرى التي سطّرها المشرع في القانون 28.00 وبين الممارسات اليومية على أرض الواقع، وهي اختلالات تتغذى بالأساس من طبيعة النموذج المعمول به في التسيير:
خصوصا ​مأزق الإختيار بين صيغ التدبير (الذاتي، المفوض، وشركات التنمية المحلية): حيث تتخبط المجالس المنتخبة بين خيارات تدبيرية متباينة؛ فمن جهة، يُظهر التدبير الذاتي محدودية بنيوية وعجزاً مالياً ولوجيستيكياً في مواكبة الطفرات الديموغرافية والسياحية، ومن جهة أخرى، أثبت التدبير المفوض للشركات الخاصة في كثير من المحطات فشله في الوفاء بالالتزامات البيئية الحقيقية واكتفاءه بالربح السريع وتحويل دفاتر التحملات إلى حبر على ورق. وأمام هذا الوضع، يبرز التساؤل الملح حول جدوى ورهانات إحداث شركات التنمية المحلية (SDL) للبيئة وجودة الحياة كبديل مؤسساتي استراتيجي يُعنى بالجمع، النقل، الفرز، والتثمين، بعيداً عن منطق الصفقات الظرفية.

قراءة في ​إيقاع التدبير الموسمي مقابل فلسفة الوقاية: ينص القانون 28.00 في صلب أهدافه على الوقاية من إنتاج النفايات وتقليص ضررها وحماية الصحة العامة والبيئة. غير أن الواقع يكرس استمرار الاعتماد على نفس الوصفات والآليات التقليدية لمواجهة ذروة الصيف، رغم التضاعف الهائل في الضغط السياحي، مما يجعل التدخلات مجرد ردود أفعال ترقيعية ظرفية لا تنسجم مع معايير التدبير المستدام.

هنالك كذلك معضلة ​قصور الترسانة اللوجيستيكية وتحديات التثمين:

فعلى الرغم من أن المشرع راهن على إرساء تدبير مندمج يشمل الجمع، النقل، المعالجة، والتثمين بطرق سليمة بيئياً، إلا أن محدودية تطوير الأسطول والوسائل التقنية تستنزف الطاقات البشرية في معارك خاسرة ضد الكميات الهائلة المتراكمة، بعيداً عن أهداف التثمين والاقتصاد الدائري التي جاء بها الإطار القانوني.

​وفي هذا الصدد هنالك ضرورة ملحة في إعمال مقاربة استباقية ومستقبلية مستندة إلى القانون 28.00 ف​إن حماية بيئتنا المحلية وصيانة كرامة المواطن والزائر لم يعد يسمح بالاكتفاء بسياسة إطفاء الحرائق وتدبير الأزمة وقت وقوعها، بل بات لزاماً تفعيل روح القانون 28.00 عبر إرساء أسس واضحة للتدخل ترتكز على
ال​حسم السريع في خيار الحكامة المؤسسات ية وتقييم جدي لجدوى الإنتقال نحو شركات التنمية المحلية (SDL) المتخصصة في البيئة وجودة الحياة، كإطار تضامني ومؤسساتي يجمع بين مرونة القطاع الخاص وصرامة الرقابة العامة، لضمان استمرارية مرافق الجمع، النقل، الفرز الدقيق، والتثمين الفعلي للنفايات.
مع ضرورة ​تحديث المنظومة اللوجستية والتدبير المندمج عبر الإنتقال العاجل من الوسائل الكلاسيكية إلى تقنيات ذكية وحديثة، تماشياً مع متطلبات المدن الذكية و المخططات الجهوية والجماعية لتدبير النفايات التي نص عليها الإطار القانوني لتتناسب مع حجم النمو العمراني والسياحي المستدام.

كما ان ​تفعيل الرقابة والمساءلة في ربط أي صيغة تدبيرية بمؤشرات أداء دقيقة وفعالة مستمدة من مقتضيات التشريع البيئي، تضمن صرامة الإلتزام ، وتفرض دعائر وضرائب الملوث المؤدي حسب حجم النفايات المنتجة ستساهم حثما في منع تكرار الإخفاقات الموسمية.

قد لايسع المجال للإحاطة الشاملة بموضوع متعدد الأطراف والخيوط إلا ​إن معالجة هذا الملف بعين الحكمة والمسؤولية بعيدا عن الاستغلال الضيق الذي لايفيد الموضوع في اي شيء يذكر بغية (تصفية وفزر نفايات فيما بينها) تتطلب شجاعة طرح حقيقية في تقييم الاختلالات، وجرأة في تغيير الأساليب البالية والمتهالكة، وفرض احترام مقتضيات القانون 28.00، قبل أن يتحول الاستنزاف البيئي إلى واقع مفروض يصعب تداركه.

​اكادير : ذ. رشيد فاسح

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button