بقلم الأستاذ رشيد فاسح: قراءة في أسباب اغتيال الاختيار الديمقراطي داخل التنظيمات السياسية

المختصر المفيد : من أسباب اغتيال الاختيار الديمقراطي المغربي في العصر الحالي ….
التنظيمات السياسية.. حين تتحول إلى “ضيعات عائلية” وتغتال روح الديمقراطية
إن أكبر خطر يتربص بالتنظيمات السياسية والحزبية لا يكمن فقط في الضغوط الخارجية أو التجاذبات والصراعات الإيديولوجية، لأن الأحزاب هي حالة صحية وضرورية، بل يتأتى من الداخل حين تتعرض لعملية سطو ناعم أو خشن من طرف مافيات عائلية وشبكات قرابة ومصالح ضيقة.
هذا التحول المأساوي يحول الفضاءات السياسية، التي مفترض فيها أن تكون مجالات للأفكار والنقاش المجتمعي ومختبرات للديمقراطية، إلى ما يشبه مقاولات عائلية خاصة تُدار بمنطق الولاء الشخصي والغنيمة عوض الكفاءة والمصلحة العامة.
وعندما تهيمن العقلية العائلية والزبونية على مفاصل القرار السياسي، تتداعى الأسس التي قامت عليها تلك التنظيمات بفعل ممارسات واضحة تبدأ بوأد الديمقراطية الداخلية، وقتل الأجهزة التقريرية من المحلية إلى الوطنية، حيث تفرغ المؤتمرات والاجتماعات الحية من محتواها الحقيقي لتتحول إلى مجرد واجهات شكلية ومسارح لتزكية اختيارات جاهزة مسبقاً، غايتها الوحيدة إعادة إنتاج نفس الوجوه ونفس مراكز النفوذ.
وتتواصل بتهميش المناضلين أصحاب الرأي وأصحاب الفكر والكفاءة، لأن وجودهم المستقل يشكل تهديداً مباشراً لهيمنة تلك الشبكات العائلية والأسرية، مما ينتهي بهجرة الأطر والكفاءات نحو العزلة أو اليأس السياسي، أو الالتحاق بتنظيمات سياسية أخرى.
كما تفقد التنظيمات نتيجة لذلك صلتها بنبض الشارع وهموم المواطنين الحقيقية، وهذا هو أخطر فيروس: انقطاع الصلة بالمواطن ومشاكلهم المعيشية والتنموية، لتغدو معزولة في أبراج عاجية تدافع بشراسة عن الامتيازات والمكتسبات الريعية الضيقة، بينما يتراجع النقاش البرامجي والعميق لصالح منطق الولاءات العائلية والمحسوبية وتوزيع الأدوار بين أفراد الأسرة والعائلة أو العصبة المسيطرة.
وتسطو هذه الشبكات على امتيازات الترشح بصورة تجد فيها الأب والابن والأخت والبنت والأصهار، وكأن بطون المغربيات لم تنجبن إلا هؤلاء المسيطرين والجاثمين على المؤسسات المحلية والجهوية والبرلمان، في توزيع عبثي للأدوار.
لسنا هنا من أجل وأد التمثيلية الديمقراطية والاختيار الديمقراطي المغربي في ديناميته الخاصة وأسبابه الذاتية والموضوعية، التي قدم فيها سلفنا الغالي والنفيس بالمضايقات والسجون وبالأرواح والاعتقالات.
بل إن استعادة السياسة لنبلها وجوهرها الأخلاقي والخدمي تقتضي بالضرورة كسر هذه القيود، وتحرير التنظيمات الحزبية من منطق الضيعة الخاصة وحكم الأقلية الأوليغارشية للأغلبية.
ولا يتحقق ذلك إلا بإرساء قواعد صارمة وشفافة تكفل تكافؤ الفرص، وتكرس مبدأ تلازم المسؤولية بالمحاسبة، وتعيد الاعتبار للمناضل الحقيقي القادر على الإنتاج الفكري والميداني المستمر، لا الموسمي الانتخابي فقط، ومؤسسات حزبية نشطة بهياكل وتنظيمات موازية حديثة وحداثية، بخطاب سياسي جديد يراعي المتغيرات الحاصلة في المجتمع المغربي وسياسة القرب والإنصات والإصغاء، وليس القائم على القرابة والولاء الأعمى ضداً في الديمقراطية نفسها.
ذ. ر: فاسح





