Uncategorized

إعفاءات ضريبية مثيرة للجدل في مشروع قانون المالية 2026: بين تشجيع الاستثمار وتغذية الريع

الرباط – 30 أكتوبر 2025

أثار مشروع قانون المالية لسنة 2026 نقاشاً واسعاً عقب الكشف عن حجم الإعفاءات الضريبية التي تضمنها، والتي بلغت قيمتها الإجمالية 5571 مليون درهم (أي ما يعادل 557 مليار سنتيم) تخص الضريبة على القيمة المضافة المرتبطة بعمليات بيع زيوت النفط أو الصخور النفطية، سواء كانت خاماً أو مُصفّاة.

هذا الرقم الكبير أعاد إلى الواجهة الجدل القديم–الجديد حول من يستفيد فعلاً من الإعفاءات الضريبية في المغرب، ومدى انعكاسها على الاقتصاد الوطني وعلى العدالة الجبائية التي تظل أحد أعمدة الإصلاح المالي الذي تتحدث عنه الحكومة منذ سنوات.


🔹 إعفاء ضخم… ولكن لمن؟

يؤكد عدد من الخبراء أن هذا النوع من الإعفاءات غالباً ما يُبرر بكونه يهدف إلى دعم الاستثمارات الاستراتيجية، أو ضمان استقرار الأسعار في قطاعات حيوية مثل الطاقة والنقل.
غير أن التساؤل الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل يستفيد المواطن فعلاً من هذه الإعفاءات، أم أنها تصب في مصلحة فئات محدودة من الفاعلين الاقتصاديين الكبار؟

إعفاء يتعلق بمنتوج حساس مثل زيوت النفط، في وقت تشهد فيه البلاد جهوداً كبيرة للتحول نحو الطاقات النظيفة، يطرح علامات استفهام حول اتجاه السياسة الجبائية الوطنية: هل تسعى فعلاً إلى دعم الانتقال الطاقي، أم إلى الحفاظ على مصالح قائمة منذ عقود؟


🔹 من الطائرات إلى المطارات: أرقام تتكرر

الجدل حول الإعفاءات الضريبية يأتي في سياق متصل بسلسلة من الاستثمارات العملاقة التي أعلنتها الحكومة خلال السنوات الأخيرة، أبرزها توقيع اتفاقية في يوليوز 2023 لمضاعفة أسطول الخطوط الملكية المغربية من 50 إلى 200 طائرة بحلول 2034، بكلفة 250 مليار درهم، تلتها اتفاقيات جديدة في يوليوز 2025 لتوسعة مطارات المملكة بغلاف مالي قدره 38 مليار درهم.

هذه المشاريع تُقدَّم رسمياً باعتبارها رافعة لتطوير النقل الجوي وجذب الاستثمارات والسياحة، لكنها تثير أيضاً تساؤلات حول المستفيدين غير المباشرين من هذه التوسعات، خصوصاً في ظل ارتباط قطاع الطيران بأسعار الكيروسين، الذي يُعد من أهم مكونات كلفة التشغيل.


🔹 اقتصاد الطاقة… ومن يستفيد؟

تاريخياً، لطالما كان سوق المحروقات من أكثر القطاعات حساسية في المغرب، نظراً لطبيعة الفاعلين فيه وعددهم المحدود. وتفيد معطيات سابقة أن تكلفة الكيروسين، الذي يمثل نحو ثلث كلفة الطيران، تأثرت بتحرير السوق منذ عام 2015، ما انعكس على أسعار التذاكر وخسائر شركات الطيران الوطنية في فترات معينة.

اليوم، ومع عودة الاستثمارات الضخمة في النقل الجوي والبنى التحتية المرتبطة به، يُطرح التساؤل من جديد حول مدى انسجام السياسة الجبائية للدولة مع مبدأ المنافسة العادلة وتكافؤ الفرص بين الفاعلين، خاصة في ظل استمرار إعفاءات ضخمة تمس مجالات مرتبطة بالطاقة والمشتقات النفطية.


🔹 بين تشجيع الاستثمار ومخاطر الريع

تؤكد الحكومة في تبريراتها الرسمية أن الإعفاءات الضريبية تهدف إلى تحفيز الاستثمار ودعم التنافسية، إلا أن عدداً من المراقبين يرون أن استمرار هذا التوجه، دون تقييم دقيق للعائد الاقتصادي والاجتماعي، قد يكرس منطق الريع الاقتصادي بدل أن يدعم الإنتاجية والعدالة الضريبية.

ففي الوقت الذي تُبذل فيه جهود كبرى لتحسين موارد الدولة وتمويل البرامج الاجتماعية، يرى خبراء أن من الضروري إعادة النظر في خريطة الإعفاءات الضريبية، وتوجيهها نحو القطاعات التي تُحدث فعلاً القيمة المضافة وتخلق فرص الشغل، لا تلك التي تستهلك الدعم دون مردودية ملموسة.


📊 ماذا يقول مشروع قانون المالية 2026 بالتفصيل؟

يأتي مشروع قانون المالية لسنة 2026 في سياق اقتصادي دقيق، يتسم بارتفاع كلفة المعيشة وتباطؤ نسبي في وتيرة النمو العالمي.
وتتضمن أبرز مضامين المشروع:

  • معدل نمو متوقع في حدود 3.6% خلال سنة 2026.
  • عجز في الميزانية محدد في حدود 3.8% من الناتج الداخلي الخام.
  • ميزانية اجتماعية قياسية تتجاوز 107 مليار درهم مخصصة لتمويل برامج الدعم المباشر، والحماية الاجتماعية، والتعليم والصحة.
  • استثمارات عمومية تناهز 330 مليار درهم، منها حصة مهمة موجهة للمشاريع الكبرى في النقل، والطاقات المتجددة، والماء.
  • توجه جديد نحو الرقمنة الجبائية لمحاربة التهرب الضريبي وتوسيع الوعاء الضريبي دون رفع المعدلات الضريبية الحالية.

غير أن هذه الأرقام، رغم طموحها، لا تُخفي استمرار بعض الثغرات البنيوية في العدالة الجبائية، من خلال إعفاءات ضخمة تهم قطاعات محددة دون تقييم دقيق لأثرها الاقتصادي والاجتماعي.


🔹 الخلاصة

الإعفاءات الضريبية تظل أداة مهمة لتوجيه الاقتصاد، لكنها قد تتحول إلى نقطة ضعف في السياسة المالية إذا لم تُربط بالشفافية والمساءلة وتقييم المردودية.
وفي الوقت الذي تراهن فيه الحكومة على مشاريع كبرى لرفع وتيرة النمو، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه الإعفاءات تخدم المصلحة الوطنية العامة أم تعمق الفوارق الاقتصادية بين الفاعلين.


Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button