من السيادة الوطنية إلى الحكامة الجهوية: قراءة في ثورة “الطرق المائية” بالمغرب وتجربة “سوس ماسة” نموذجا

حسن كرياط
لم تعد قضية تدبير الموارد المائية في المغرب مجرد إجراء قطاعي أو استجابة لظرفية مناخية عابرة، بل تحولت إلى خيار سيادي حاسم يرسم معالم الاستقرار الاجتماعي والتنمية المستدامة للمملكة. وتأتي الإشادة الواسعة الأخيرة من قِبل خبراء ومؤسسات ألمانية بالاستراتيجية المغربية لمواجهة الإجهاد المائي لتقدم تقييماً علمياً وتكنولوجياً رصيناً يؤكد انتقال المملكة الفعلي من التدبير التقليدي للندرة إلى صياغة مفهوم مبتكر لـ “السيادة المائية”. هذا التحول الجذري أملته تحديات مناخية وهيكلية غير مسبوقة تمثلت في توالي سنوات الجفاف الحاد وتراجع حقينات السدود، مما فرض قطيعة راديكالية مع الحلول الترقيعية المؤقتة، والتوجه نحو هندسة مائية متكاملة توازن بين المكتسبات التاريخية لسياسة السدود الكبرى ومشاريع الجيل الجديد؛ حيث يبرز مشروع “الطريق السيار للماء” لربط حوض سبو بأبي رقراق كطفرة هندسية غير مسبوقة على الصعيد الإفريقي، مدعوماً بطفرة نوعية في محطات تحلية مياه البحر وإعادة استخدام المياه العادمة المعالجة.
وتجد هذه الرؤية الاستراتيجية الوطنية ترجمتها الفعلية على المستوى الترابي من خلال زاوية الحكامة الجديدة التي يجسدها إحداث الشركة الجهوية متعددة الخدمات (SRM) بجهة سوس ماسة، كأداة تدبيرية حديثة ومبتكرة تلعب دوراً محورياً في تنزيل أهداف البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي. وتُشكل جهة سوس ماسة اليوم مختبراً حقيقياً لتنزيل هذه الحلول المتطورة؛ حيث تقف الشركة الجهوية على إدارة وتطوير منظومة مائية معقدة ومستدامة تترابط فيها المبادرات الوطنية بالخصوصيات الجهوية. ويتجلى ذلك بوضوح في مواكبة طفرة محطة تحلية مياه البحر بأكادير (اشتوكة آيت باها) -التي تُعد نموذجاً عالمياً مشهوداً له بالكفاءة- عبر تحسين قنوات التوزيع المرتبطة بها لضمان تزويد الساكنة بالماء الشروب ودعم القطاع الفلاحي الحيوي بالجهة. وتمازجاً مع التوصيات التكنولوجية العالمية، تضع الشركة في مقدمة أولوياتها تحديث شبكات التوزيع المحلية واعتماد تقنيات الرصد الذكي للتسربات المائية لتقليص الهدر البنيوي، فضلاً عن تعزيز الاستدامة الدائرية عبر إعادة تدوير المياه العادمة المعالجة لسقي المساحات الخضراء وملاعب الغولف، مما يخفف الضغط بشكل ملموس على المياه الجوفية والسطحية الاستراتيجية للجهة.
وفي هذا السياق المتصل بالابتكار، تكتسب الشهادة الألمانية قيمتها من الريادة العالمية لبرلين في تكنولوجيا البيئة والمياه، حيث أبرز “لقاء فرانكفورت” الأخير توجه المملكة الذكي نحو تعبئة كفاءات ومغاربة العالم لإدماجهم في ورش السيادة المائية، وهو ما يمثل جسراً معرفياً وفرصة سانحة لمؤسسات مثل الشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس ماسة لاستقطاب الخبرات ونقل التكنولوجيا المتقدمة، لا سيما في مجالات النجاعة الطاقية عبر ربط التحلية بالطاقات المتجددة، والتدبير الرقمي للشبكات على الصعيد الجهوي.
وفي المحصلة، تؤكد التجربة المغربية أن الأمن المائي أضحى ركيزة أساسية للأمن القومي والتنمية الاقتصادية، والضامن الأول للأمن الغذائي والجاذبية الاستثمارية، خاصة في جهة استراتيجية كجهة سوس ماسة التي تجمع بين الثقل الفلاحي والزخم السياحي والصناعي. وإن الانتقال إلى نموذج الشركات الجهوية متعددة الخدمات يعكس وعي الدولة العميق بأن كسب رهن “السيادة المائية” يمر حتماً عبر عصرنة حكامة القرب، والابتكار التكنولوجي، والتدبير المندمج للموارد، لتقديم نموذج إقليمي وقاري يُحتذى به في التخطيط الاستراتيجي لمواجهة أبرز تحديات القرن الحادي والعشرين.




