Uncategorized

خاطرة بقلم الدكتور سيدي علي ماء العينين : لا تستنزف قواك من أجل سداد فواتير البقاء

لقد استيقظت في أعماقي حقيقةٌ كانت غائبة خلف غبار السنين، وهي أن ثمة بونًا شاسعًا بين أن تعيش وأن تحيا. فالعيش في جوهره ليس إلا انصياعًا لوتيرة الأيام المرهِقة التي تجبرك على ترويض نفسك للقبول بالأمر الواقع؛ فتجدك تركض في مضمار لا نهاية له، تستنزف قواك وتستنفد أنفاسك فقط من أجل سداد فواتير البقاء، أو اقتناص لحظات فرح عابرة تشتريها بعرق جبينك، فيتحول وجودك إلى محض تعايش قسري مع واقع يمتص نضارة شبابك ويترك روحك خاويةً على عروشها.

لكن حين تقرر أن تحيا، فإنك تعلن قيامةً جديدة لكل ذرة في كيانك، وتشرع في تذوق الوجود بكل تجلياته وبهاء تفاصيله.
فلا تعود تمر بوردة فواحة إلا وانحنيت لتقبّل عطرها،
ولا تخرج إلى فضاء الله إلا ورفعت بصرك إلى السماء، تناجي عظمة الكون، وتغسل عينيك بنور الأفق البعيد، لتشعر بضآلة همومك أمام هذا الملكوت العظيم.

أن تحيا يعني أن تخلع عن قلبك نظارة العتب، فلا ترى فيمن تحب إلا مواطن الجمال والخير، فتتسامى فوق الإساءة، وتغضّ الطرف عن الزلات، متمسكًا بتلك اللحظات المضيئة وذكراها العذبة، لأنك تدرك يقينًا أن روحك المتعطشة لا ترتوي إلا بهذا الصفاء؛ فهو إكسيرك السحري الذي يمنحك القوة لتمضي في درب الحياة ملكًا متوجًا بالرضا.

وهكذا يصبح الوجود في عينيك رحلةَ استكشاف لا تنتهي، حيث تكتشف أن السعادة الحقيقية ليست وجهةً تصل إليها، بل هي الطريقة التي تلمس بها الأشياء؛ فتنصت لترانيم الريح وهي تداعب أوراق الشجر، وتتأمل رقصة الضوء على صفحة الماء، وكأنك تبصر العالم لأول مرة بقلب طفل لم يفسده الضجيج. فتتحول أبسط التفاصيل في يومك إلى لوحات فنية تسرّ الناظرين، وتغدو حركاتك وسكناتك متناغمةً مع إيقاع الكون الرصين، مما يمنحك سكينة داخلية لا تهزّها عواصف القدر مهما اشتدت.

إن هذا السموّ الروحي يجعلك تدرك أن العطاء هو أرقى مراتب الأخذ؛ فتبذر المحبة في قلوب الغرباء قبل الأقرباء دون انتظار ثمن، وتجعل من الكلمة الطيبة بلسمًا تضمّد به جراح المنكسرين، لأنك تيقّنت أن ما تمنحه للآخرين هو في الحقيقة ما تذخره لروحك لتظل متقدةً بالأمل. فالحياة الحقيقية تكمن في ذلك الأثر الجميل الذي نتركه خلفنا، وفي تلك الابتسامة التي نرسمها على وجه بائس، لتكون هذه الأفعال هي الوقود الذي يبدد وحشة الطريق، ويجعل من وجودك منارةً تهتدي بها النفوس الحائرة.

وفي نهاية المطاف، تجد أن العودة إلى الذات والتصالح مع كينونتك هو الغاية القصوى؛ حيث لا تجعل للأحزان مكانًا يستوطن صدرك، بل تمررها من خلالك كغيمة عابرة لا تمطر إلا خيرًا. فتستقبل كل فجر جديد بامتنان عميق، مدركًا أن كل يوم هو فرصة إضافية لتكتب سطرًا جديدًا في كتاب النور، ولتؤكد لنفسك وللعالم أن من ذاق طعم الحياة الحقّة لا يمكن أن يرضى بالعيش على هامش الوجود، بل يظل يغرف من بحر الروح حتى يفيض قلبه حبًا وطمأنينةً وسلامًا.

فهل تعتبرون؟

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button