تصريح الوزير يعيد الجدل إلى نقطة الصفر: أسئلة مشروعة وشبهات قانونية بلا جواب
في خضم الجدل المتصاعد حول تسريبات لجنة الأخلاقيات ومآل مشروع قانون المجلس الوطني للصحافة، خرج وزير الشباب والثقافة والتواصل بتصريح دعا فيه إلى “تجنب السوداوية” و“الحفاظ على صورة الوطن”. غير أن هذا الخطاب، رغم حمولة رسائله السياسية، بدا – في نظر مهنيين ومتابعين – أقرب إلى محاولة تغيير مسار النقاش، بدل تقديم أجوبة دقيقة حول الاختلالات التي تفجّرت داخل مؤسسة دستورية مكلفة بتنظيم القطاع.
لغة سياسية بدل أجوبة قانونية
الوزير اعتمد خطابا يحمّل جزءا من المسؤولية لمن وصفهم بـ“العدميين”، معتبرا أنهم يرون “كل شيء سوادا”، في محاولة لإبعاد النقاش عن جوهره القانوني نحو سجال لغوي وأخلاقي.
لكن خلف هذا الخطاب، تظهر أسئلة حارقة لا تزال دون إجابة:
- هل تعمل تركيبة المجلس الوطني للصحافة الحالية وفق الشرعية القانونية؟
تشير مصادر مهنية إلى أن انتهاء ولاية اللجنة المؤقتة يطرح إشكالا دستوريا، خصوصا في غياب أي إطار قانوني واضح لتمديدها لفترات إضافية. - هل حصلت اللجنة المؤقتة على تعويضات بعد انتهاء ولايتها؟
تساؤل تردد بقوة عقب التسريبات الأخيرة، حيث تحدثت مصادر داخل القطاع عن استمرار صرف تعويضات رغم انتهاء الإطار القانوني الذي يبرّر ذلك. - هل احترمت الحكومة الآجال القانونية للتمديد؟
ينص القانون على أن تمديد عمل الهياكل يجب أن يتم وفق آجال مضبوطة وبمراسيم منشورة، وهو ما يراه قانونيون غير متحقق بالشكل المطلوب. - ما مصير التحقيق في التسريبات التي تضمنت إساءات لمهنة المحاماة؟
التسريبات المتداولة أبانت عن تصريحات غير لائقة منسوبة لمسؤولين داخل المؤسسة، في حق هيئة دستورية هي هيئة المحامين، ما يطرح سؤالاً حول جدية المتابعة والمساطر التأديبية.
أزمة تتجاوز الأشخاص
مصادر داخل القطاع أكدت أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في التصريحات فقط، بل في عمق الاختلالات داخل مؤسسة يفترض فيها أن تكون حامية لأخلاقيات المهنة لا طرفاً في توترات داخلية.
فالمجلس الوطني للصحافة، في وضعه الحالي، يواجه:
- فراغاً قانونياً بسبب انتهاء الولاية دون تجديد الهياكل.
- تباينات داخلية زادت حدتها مع نشر التسريبات.
- احتقاناً مهنياً ناتجاً عن شعور الصحافيين بأن مؤسستهم التمثيلية باتت جزءاً من الأزمة بدل أن تكون جزءاً من الحل.
مشروع القانون… هل هو مخرج أم تعميق للأزمة؟
الحكومة تروج لمشروع قانون جديد بدعوى “تطوير القطاع”، لكن غياب الحوار مع الهيئات المهنية يجعل العديد من المتابعين يعتبرون أن المشروع قد يتحول إلى إعادة هندسة مؤسساتية دون توافق، وهو ما قد يعمّق أزمة الثقة بدل حلّها.
الرأي العام ينتظر الحقيقة… لا التلميحات
الشارع المهني والإعلامي لا يطالب بخطابات مطمئنة، بل بـ:
- توضيحات رسمية حول الوضع القانوني للجنة المؤقتة.
- كشف الحقائق بخصوص التعويضات والتسريبات.
- تحديد المسؤوليات واحترام استقلالية الهيئة المهنية.
- إصلاح تشاركي لا يلغيه خطاب “السوداوية”.
خلاصة
تصريح الوزير، رغم ما حمله من نبرة هادئة، أعاد النقاش إلى نقطة البداية. فالأزمة لم تعد تتعلق بـ“العدميين” أو “السوداوية”، بل بـ أسئلة قانونية وأخلاقية دقيقة تنتظر أجوبة واضحة، وبمؤسسة دستورية تحتاج إصلاحاً حقيقياً لا تجميلياً.
ويبقى السؤال المركزي معلقاً:
هل تتجه الحكومة لفتح تحقيق شفاف وشامل، أم أن الأزمة ستبقى معلّقة تحت عنوان “الحفاظ على صورة الوطن”؟




