تأملات أدبية تدعو إلى صفاء الكلمة وصدق الذات بقلم الدكتور سدي علي ماء العينين : إجعل كلماتك كطيور بيضاء في سماء الملكوت.
بقلم الدكتور سدي علي ماءالعينين ،اكادير .
تخيل أنك تقف في نهاية يوم طويل، تنظر إلى مرآة روحك بابتسامة هادئة، لا تبحث فيها عن أخطاء العابرين أو عثرات الطريق، بل تبحث عن ذلك الرضا الذي يسكن القلب حين يدرك المرء أنه كان صادقاً مع نفسه.
إن الشعور بالسلام الداخلي يبدأ من تلك اللحظة التي تقرر فيها أن تغفر لنفسك تقصيرها، وأن تتقبل كل حرف نطقت به ما دام قد خرج بنية طيبة، وكأنك تصالح طفلاً صغيراً بداخلك كان يخشى لوم الآخرين.
كل كلمة صدرت من أعماق كينونتك لم تكن مجرد ذبذبات في الهواء، بل كانت قطعاً من روحك صغتها في قالب من بيان، لتكون شاهداً على لحظة صدق عشتها بكامل تفاصيلها.
حين تتأمل في تلك الكلمات، ستجد أنها كانت جسراً عبرت من خلاله نحو الآخرين، أو ربما كانت ضماداً لجرح لم يره أحد سواك، وهي في كل أحوالها جزء أصيل من حكايتك التي لا تشبه حكاية أي شخص آخر في هذا الوجود.
إن أجمل ما في العطاء هو أن تجعل كلماتك “سبيلاً” لله، أن تطلقها كطيور بيضاء في سماء الملكوت، لا تنتظر من أحد جزاءً ولا شكوراً، بل تبتغي بها وجه الحق والجمال.
حين ترفع سقف نواياك لتصل إلى الخالق، يتحول الحرف البسيط إلى نور يضيء عتمة القلوب، وتصبح الكلمة العابرة صدقة جارية تزرع الأمل في النفوس المتعبة، وهذا هو جوهر الوجود الذي يسمو بك فوق الماديات.
لا تلتفت كثيراً لمن يحاول تأويل مقاصدك أو ملاحقة زلات لسانك، فالبحر لا يضيره أن يرمي فيه الصبية بعض الحجارة، يظل عميقاً وصافياً في قراره.
يكفيك أنك حين وضعت رأسك على الوسادة، كنت تعلم يقيناً أنك لم تضمر شراً، وأن كل ما قلته كان يفيض بمحبة فطرية، ورغبة صادقة في أن تترك أثراً طيباً قبل أن يطويك الغياب، وهذا اليقين هو الدرع الذي يحميك من رياح الندم.
في تلك اللحظات التي تخلو فيها بنفسك، تذكر أن الرضا هو بستان لا يدخله إلا من تعلم أدب الحوار مع الذات، بعيداً عن ضجيج الأنا ومطامع الدنيا الزائلة.
عندما تجعل من صوتك صدىً للحق، ومن صمتك تفكراً في آلاء الله، ستجد أن الكلمات تنساب من بين ثناياك كشلال عذب، لا تعقيد فيها ولا تكلف، بل هي لغة القلوب التي تفهمها الفطرة السليمة دون الحاجة إلى مترجمين أو مفسرين.
اجعل من كينونتك منارة تبث الدفء في محيطها، وثق بأن كل ما قدمته خالصاً لوجه الله سيجد طريقه إلى القبول في الأرض وفي السماء، ولو بعد حين.
إن الصدق مع النفس هو العملة الوحيدة التي لا تنقص قيمتها بمرور الزمن، بل تزداد لمعاناً كلما اشتدت الظلمة، وهو الركيزة التي تستند إليها لتكمل مسيرتك في هذه الحياة بخطى واثقة وروح مطمئنة، مدركاً أن الله لا يضيع أجر من أحسن قولاً وعملاً.
كن أنت كما أرادك الله، حراً، نقياً، ومتصالحاً مع قدرك وكلماتك،
فالحياة أقصر من أن نقضيها في لوم الذات على ما مضى.
استمتع بكل حرف تكتبه، وبكل فكرة تنثرها في دروب الناس، واعلم أن تسبيل الأنفاس والأعمال للخالق هو منتهى الراحة وغاية المراد،
فنم قرير العين بما وهبك الله من صدق، واستقبل غدك بروح مقبلة على الحياة بكل تفاؤل ومحبة.
دمتم على المحبة .




