المغرب أمام إختبار التحول، برلمان تحت المحك وشراكات قيد المراجعة…

تتمحور مضامين الخطاب الملكي يومه الجمعة 9 أكتوبر 2026 بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، حول فكرة مركزية تتجاوز التذكير بالمكتسبات أو الإعلان عن أولويات المرحلة، وهي إنتقال المغرب إلى مستوى جديد من الطموح يقتضي انتقال مماثل في طريقة تدبير الدولة وأداء المؤسسات وطبيعة العلاقة بالمواطن والشركاء الخارجيين. فالرهان لم يعد محصور في إطلاق المشاريع وتوسيع البنيات التحتية وإنما أصبح مرتبط بقدرة البلاد على تحويل رصيدها التاريخي والسياسي والتنموي إلى قوة إقتصادية وإجتماعية محسوسة موزعة بعدالة بين الفئات الإجتماعية والمجالات الترابية.
من خلال هذه المقدمة كان الخطاب الملكي عبارة عن حلقات ضمن تصور واحد وهو هوية وطنية تمنح الثقة والإستمرارية وتحولات دولية تفرض الإستعداد والمبادرة، وشراكات خارجية تحتاج إلى تجديد قواعدها ومؤسسات تمثيلية مطالبة بتحمل مسؤوليتها في إنجاز التحول. وتكمن الرسالة الناظمة لمضامين الخطاب السامي في أن الطموح الوطني لا يتحقق بقوة التصور وحدها بل بفعالية التنفيذ ومصداقية الالتزام. كما أن استحضار التاريخ والهوية في مستهل هذا التصور يؤدي وظيفة سياسية تتجاوز الاعتزاز الرمزي. فالحديث عن عراقة الأمة والملكية وعن إمارة المؤمنين وتعدد المكونات الحضارية، يقدم عناصر الإستمرارية بوصفها قاعدة للإنفتاح على المستقبل، لا مجرد مبرر للاكتفاء بالماضي. وتبرز هنا دلالة الربط بين الإعتزاز والإنتماء والمسؤولية،فقيمة الهوية لا تقاس فقط بما تستدعيه من مشاعر وإنما بما تنتجه من سلوك عمومي وإتقان للعمل وإحترام للمؤسسات وحرص على المصلحة المشتركة.
كما يحمل الخطاب الملكي إعادة تحديد لمعنى الوطنية في المرحلة المقبلة. فهي ليست إحتفاء بالمنجز فحسب بل إستعداد لتحمل كلفة تطويره وتصحيح إختلالاته. والإعتزاز بالمكاسب لا يلغي النقد بل يفترضه حين يكون هدفه حماية تلك المكاسب وتوسيع أثرها. لذلك فإن الجمع بين تأكيد الثقة في المغرب والتنبيه إلى التأخير والعراقيل لا ينطوي على تناقض إنه يميز بين الثقة في قدرة الدولة والمجتمع وبين الرضا غير المشروط عن أداء الأجهزة والفاعلين.
أما وصف جلالته للظرفية بأنها حافلة بفرص قد لا تتكرر فيحمل رسالة تتعلق بالزمن السياسي والإقتصادي. فالفرص الدولية ليست موارد مضمونة والتحولات في الإستثمار والإنتاج والتكنولوجيا يمكن أن تفتح مجالات للصعود، كما يمكن أن تغلقها أمام من يتأخر في الإصلاح. وعليه فإن الدعوة إلى جعل الولاية الجديدة منعطفًا حقيقيًا تعني، في أحد أبعادها، أن الإستمرارية المطلوبة ليست إعادة إنتاج أساليب التدبير نفسها، بل تسريع الإنتقال من تراكم المشاريع إلى تكاملها ورفع مردوديتها. كما يكشف الجمع بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية عن معيار أكثر تركيب لقياس النجاح. فصعود المغرب الإقتصادي لا يكتمل بإرتفاع مؤشرات الإنتاج والإستثمار وحدها، ما لم يصاحبه تحسن في فرص الشغل والخدمات الأساسية وإمكانات الإرتقاء الاجتماعي. والرسالة السياسية هنا أن القوة الإقتصادية تحتاج إلى قاعدة إجتماعية واسعة تحميها وتمنحها الإستدامة، وأن التفاوتات قد تحد من الأثر الإيجابي للإنجازات الكبرى في حياة المواطنين وثقتهم.
أما في السياق الدولي يضع الخطاب الملكي الأمن المائي والطاقي والغذائي والإقلاع الصناعي والإقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي ضمن أفق إستراتيجي مترابط. وهذا الترتيب يوحي بأن مفهوم السيادة يتسع ليشمل القدرة على تأمين شروط الحياة والإنتاج، والتحكم في مواطن الهشاشة وتقليص التعرض لإضطرابات الخارج. فالماء والطاقة والغذاء ليست ملفات قطاعية معزولة وإنما محددات للإستقرار الإقتصادي والإجتماعي، مثلما أصبحت القدرات الرقمية والتكنولوجية أحد شروط التنافسية وإستقلال القرار.
من هنا حمل عمق الخطاب الملكي دعوة إلى تطوير الإحتياطات الإستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية أهمية خاصة. إنها تعكس انتقال مطلوب من تدبير الأزمات بعد وقوعها إلى بناء الجاهزية قبل حدوثها. لكن تحويل هذا التوجه إلى سياسة فعالة يقتضي منظومة للإستشراف وتحديد دقيق للمخاطر وتنسيق بين المؤسسات وربط التخزين وتنويع مصادر التوريد بتطوير الإنتاج الوطني. فالمرونة الإستراتيجية لا تعني الإنغلاق بل إمتلاك بدائل تسمح بإستمرار النشاط وحماية الحاجات الأساسية. ولا يقل نداء القطاع الخاص أهمية عن هذه الأولويات. فمطالبته بالإرتقاء إلى فاعل إستراتيجي تعني أن التحول التنموي لا يمكن أن يبقى مرتبطا بالاستثمار العمومي وحده. و هنا قدم الخطاب الملكي معيارا لدور المقاولة المتمثل في المبادرة والإبتكار والتشغيل والإستثمار والتصدير. مما يفتح السؤال حول طبيعة العلاقة المطلوبة بين الدولة والقطاع الخاص، وهي علاقة تقوم على وضوح القواعد والمنافسة والشفافية وعلى ربط التحفيزات بمساهمة فعلية في الإنتاج والقيمة المضافة وفرص العمل.
كما شكلت قضية الشباب نقطة التقاء الإقتصادي بالسياسي. فالحديث عن التعليم والتأهيل والإدماج لا يختزل الشباب في فئة تحتاج إلى برامج متفرقة بل يضعهم في صلب اختبار تكافؤ الفرص. والثقة التي يستهدفها الخطاب لا تبنى بالرسائل التطمينية وحدها وإنما بإمكان الإنتقال الواقعي من التعلم إلى العمل، ومن الكفاءة إلى الإستحقاق ومن الإنتماء إلى المشاركة. ومن هنا فإن نجاح السياسات الموجهة إليهم ينبغي أن يقاس بمدى تقليص المسافة بين الوعود والمسارات المتاحة لبناء مستقبل كريم.
غير أن أكثر الرسائل الداخلية التي حملها خطاب جلالته مباشرة تتمثل في تشخيص إختلالات التنزيل الترابي. فالتركيز على العمل الميداني ونقل الصلاحيات والموارد وتوضيح الإختصاصات يضع مسألة التنفيذ في مركز الإصلاح. كما يستدعي التمييز بين اللامركزية بما تعنيه من إختصاصات ومسؤوليات للجماعات الترابية المنتخبة، واللاتمركز الإداري باعتباره إعادة توزيع لسلطات إدارة الدولة على المستوى الترابي. وفعالية التنمية تستلزم تكاملهما لا أن يتحول تداخلهما إلى مبرر لتبادل المسؤوليات وتعطيل القرار. فضلا على أن عبارة عدم قبول المزيد من التأخير تحمل في سياق الخطاب الملكي معنى الإنتقال من الإقرار بالمبدأ إلى المطالبة بالنتيجة. فتمكين الجهات لا يتحقق بنقل الأعباء إليها دون وسائل ولا بمنحها إختصاصات يظل تنفيذها رهين موافقات مركزية متعددة. والقراءة الاستشرافية لهذا التوجه تقود إلى ضرورة تعاقد واضح بين الدولة والجهات يحدد الأهداف والتمويل والآجال والمسؤوليات ويجعل تقييم الأداء أمر قائم على أثر المشاريع في حياة المواطنين لا على عدد الاتفاقيات الموقعة.
ويكشف محور الهجرة والعلاقة بإسبانيا والاتحاد الأوروبي عن إرادة لإعادة التفاوض حول مضمون الشراكة. فالقول بتجاوز النموذج الحالي للتعاون يعني أن معالجة الهجرة بمنطق إحتواء التدفقات وحده لم تعد كافية لإستيعاب تعقيداتها. وتبدو الرسالة الأعمق أن المغرب يطلب موقع الشريك المشارك في صياغة الحلول وتقاسم الأعباء والمنافع، لا الطرف الذي تختزل علاقته بمحيطه الأوروبي في وظيفة الضبط الحدودي.
وعليه فإن تطوير هذا التعاون يقتضي معالجة الخلافات القانونية والقضائية ضمن ضمانات واضحة. فعودة القاصرين تستلزم مراعاة مصلحتهم الفضلى والتحقق من شروط حمايتهم، كما أن التمييز بين طلبات اللجوء المستحقة وغير المستحقة يحتاج إلى فحص فردي وإجراءات عادلة وإحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية. لذلك لا تتعارض الشراكة المتوازنة مع حماية الحقوق بل إن إستدامتها تتوقف على الجمع بين مكافحة الشبكات الإجرامية والمسؤولية المشتركة وإحترام الالتزامات القانونية.
أما التأكيد على أن الشراكة كإختيار سيادي لا يقبل الضغط، فيرسم حدود العلاقة بقدر ما يؤكد إستمرارها. والوثيقة الاستراتيجية المعلن عنها ضمن نص الخطاب الملكي يمكن أن تمثل وبحسب مضمونها وآلياتها ذلك الإنتقال من إدارة أزمات متكررة إلى بناء أجندة أوسع تشمل التنمية المشتركة والتنافسية والإستقرار الإقليمي. غير أن قياس هذا التحول يظل مرتبطا بما سيتفق عليه عمليا.
من هنا يأتي وصف الإنتداب البرلماني بأنه التزام سياسي وتعاقد أخلاقي ليعيد المسؤولية إلى المؤسسة التمثيلية. فمهمة البرلمان لا تنحصر في مواكبة التوجهات العامة، وإنما تشمل التشريع الملائم ومراقبة الحكومة وتقييم السياسات وتتبع كيفية تخصيص الموارد وإستعمالها. والتعاقد الأخلاقي يضيف إلى الشرعية الإنتخابية واجب الحضور والنزاهة والقرب من المواطنين وتقديم الحساب دون أن يغني عن آليات المساءلة المؤسسية.
ختانا، إن خطاب جلالة الملك أمام نواب الأمة جعل المرحلة المقبلة اختبار للقدرة على تحويل الثقة إلى أداء والسيادة إلى جاهزية والنمو إلى إنصاف مجالي والتمثيل إلى مسؤولية. وبين الطموح المعلن والنتائج المنتظرة تقف حلقة حاسمة هي جودة المؤسسات وفعالية التنسيق ووضوح المحاسبة. ومن هنا تأتي رسالته الأبرز وهي أن المغرب الذي يريد تثبيت موقعه قوة صاعدة يحتاج إلى أن يظهر أثر هذا الصعود في حياة مواطنيه، وإلى أن تصبح سرعة الإنجاز وعدالته ومصداقيته عنوان للمرحلة لا مجرد وعد بها.
د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي
مدير قطب إفريقيا والتعاون الدولي.
المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية.



