Uncategorized

الخياطة الداخلية للجروح: قراءة في فلسفة الترميم الذاتي للإنسان بقلم د. سدي علي ماءالعينين

.
خاطرة بقلم الدكتور سدي علي ماءالعينين


في غمرة الضجيج الذي يملأ جنبات الحياة، يكتشف المرء أن أعمق المعارك هي تلك التي تدور في صمت خلف أبواب الروح الموصدة. هناك جروح لا تراها العين، وندوب لا يدرك كنهها إلا من نزفت من وجدانه، فالحقيقة الثابتة هي أن الوجع كائن شخصي للغاية، لا يمكن اقتسامه أو تفويضه للآخرين مهما بلغت درجة قربهم ومحبتهم.
​إن الاتكال على الأيدي الخارجية لتضميد ما انكسر في الداخل قد يكون أحيانا نوعا من المغامرة غير المحسوبة، فاليد التي تمتد للمواساة، رغم صدق نواياها، قد تضغط على موضع الألم بجهل يضاعف الأنين.
لكل روح شفرتها الخاصة في الصبر، ولكل جرح كيمياء فريدة في الالتئام، والتدخل الخارجي في هذه العملية الدقيقة قد يربك توازن الروح ويعطل مسار سكينتها الفطرية.
​تتجلى الحكمة الروحية في تلك اللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن يكون هو الطبيب وهو المداوي لنفسه، حيث يمسك بخيوط الصبر والإيمان ليغزل منها رداء يستر به عورات انكساره.
الخياطة الداخلية للجروح ليست انعزالا عن العالم، بل هي عودة إلى المركز، واتصال مباشر بالمنبع الذي يستمد منه القلب قوته وثباته أمام عواصف الأيام المتقلبة.
​حين تمارس فعل الترميم الذاتي، فإنك تبني علاقة من نوع خاص مع ذاتك، علاقة قوامها الصدق المطلق الذي لا يحتاج إلى لغة أو تفسير.
أنت تعرف تماما أين يبدأ الوجع وأين ينتهي، وتدرك مواطن الهشاشة التي تحتاج إلى لمسة رفق استثنائية، وهو إدراك يعجز عنه أي قريب أو صديق مهما حاول تقمص حالتك أو الشعور بمصابك.
​إن الروح في جوهرها تمتلك قدرة هائلة على تجديد نفسها، تماما كما تنمو الورقة الخضراء من جذع شجرة يابس.
هذا الالتئام الصامت الذي يحدث في خلوة النفس يعيد تشكيل الشخصية بصورة أكثر صلابة وعمقا، ويجعل من الندبات القديمة أوسمة فخر تدل على العبور من المحنة إلى المنحة، ومن التيه إلى الهداية.
​في هذه الرحلة الباطنية، تصبح العزلة محرابا للتطهر، حيث تغسل الدموع ما تراكم من غبار الخيبات، وتلملم الإرادة ما تشتت من شظايا الأمل. الخياطة من الداخل تعني أنك لا تنتظر شفقة من أحد، ولا تبحث عن صدى لصوتك في واد غير ذي زرع، بل تكتفي بنور البصيرة الذي يضيء لك دروب العافية في عتمة الألم.
​الألم الذي يظل حبيس الروح ويتعالج في كنفها يتحول بمرور الوقت إلى طاقة إبداعية ونضج إنساني رفيع.
فمن استطاع أن يضم جراحه بنفسه، اكتسب حصانة ضد تقلبات البشر، ولم يعد يرهنه انتظار كلمة طيبة من هنا أو لفتة حانية من هناك، بل صار سيده وقبطان سفينته في بحر الوجود المتلاطم.
​كل لمسة غريبة لجرح لم يندمل بعد قد تترك أثرا لا يمحى، ليس لأن الآخرين سيئون، بل لأنهم لا يملكون خارطة الوجع التي تمتلكها أنت.
هم يلمسون السطح بينما الوجع في العمق، وهم يداوون الظاهر بينما العلة في الباطن، ولذلك يظل الشفاء الذاتي هو المسار الوحيد المضمون الذي يؤدي إلى شاطئ السلامة.
​عليك أن تتعلم فن التواؤم مع انكساراتك، وأن تحولها إلى فواصل في جملة حياتك الطويلة، لا إلى نقاط تنتهي عندها الحكايات.
فكلما خيطت جرحا بعناية وصمت، زادت قدرتك على احتواء الحياة بكل تناقضاتها، وأصبحت أكثر رأفة بنفسك وبالآخرين، لأنك عرفت بالتجربة أن أقدس العبادات هي جبر الخواطر، وأولها خاطر نفسك.
​وفي نهاية المطاف، يبقى المرء مدينا لتلك اللحظات القاسية التي أجبرته على أن يكون قويا بمفرده.
فمن خلالها يدرك أن اليد التي تمسح الدمع من الداخل هي اليد التي تفتح أبواب اليقين، وأن الشفاء الحقيقي يبدأ حين نكف عن التطلع إلى الخارج، ونبدأ في الإنصات بصدق لنبضات الروح وهي تخبرنا أن الفرج قريب

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button