تواصل المؤسسات المغربية المكلفة بإنفاذ القانون تنزيل مستجدات قانون المسطرة الجنائية، الذي دخل حيز التنفيذ في شهر دجنبر 2025، من خلال تعزيز التنسيق المؤسساتي بين مختلف مكونات العدالة الجنائية، وتوحيد الممارسة الإجرائية، وتأهيل قضاة النيابة العامة وضباط الشرطة القضائية لمواكبة المقتضيات القانونية الجديدة.
وفي هذا السياق، احتضنت مدينة مراكش يومي 2 و3 يوليوز 2026 لقاءً تنسيقياً وطنياً حول “آليات تجويد البحث الجنائي في ضوء مستجدات قانون المسطرة الجنائية”، قبل أن تحتضن مدينة أكادير، في 3 يوليوز، دورة تكوينية متخصصة لفائدة قضاة النيابة العامة وضباط الشرطة القضائية تحت عنوان “البحث وتقنيات التحري الخاصة في الجريمة”، في إطار الجهود الرامية إلى مواكبة تنزيل الإصلاحات الإجرائية وتعزيز كفاءة الفاعلين في منظومة العدالة الجنائية.
مراكش.. تأطير وطني لمواكبة المستجدات التشريعية
نظمت رئاسة النيابة العامة اللقاء التنسيقي الوطني بمراكش، بشراكة مع قطب المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني وقيادة الدرك الملكي، بمشاركة الوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف، وولاة الأمن، والقادة الجهويين للدرك الملكي، إلى جانب مسؤولين قضائيين وأمنيين.
ويندرج هذا اللقاء ضمن برامج التعاون المشترك بين المؤسسات المكلفة بإنفاذ القانون، بهدف ضمان تنزيل عملي وموحد للمقتضيات التي جاء بها قانون المسطرة الجنائية، وتوحيد آليات تدبير البحث الجنائي، وتعزيز التنسيق بين النيابة العامة والشرطة القضائية، مع الحرص على احترام الضمانات القانونية وقواعد المحاكمة العادلة.
كما شكل اللقاء مناسبة لتقييم مسار التعاون المؤسساتي بين رئاسة النيابة العامة والمديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني وقيادة الدرك الملكي، والذي أثمر خلال السنوات الأخيرة إعداد الدليل العملي بشأن تجويد الأبحاث الجنائية، وتنظيم دورات تكوينية مشتركة، وإحداث خلايا محلية وجهوية للتنسيق، بهدف تحسين جودة الأبحاث الجنائية ومعالجة الإشكالات العملية التي تعترض سيرها.
ويعد هذا الدليل مرجعاً عملياً لتوحيد الممارسة بين قضاة النيابة العامة وضباط الشرطة القضائية، حيث ينطلق من اعتبار البحث الجنائي الحلقة الأولى في مسار العدالة الجنائية، ويؤكد أن جودة البحث لا تقاس فقط بسرعة إنجازه، وإنما كذلك بسلامة إجراءاته، وجودة المحاضر، واحترام الشرعية الإجرائية، وضمان حقوق جميع أطراف الدعوى الجنائية.
الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة، هشام البلاوي: التنسيق خيار مؤسساتي لتعزيز النجاعة
وفي كلمته الافتتاحية، أكد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة، هشام البلاوي، أن اللقاء يجسد الإرادة المشتركة لتطوير أداء العدالة الجنائية، والرفع من نجاعة الأبحاث، وتعزيز آليات التنسيق بين مختلف المؤسسات، بما يساهم في حماية الأمن والنظام العام وصيانة الحقوق والحريات.
وأوضح البلاوي أن التنسيق بين النيابة العامة والشرطة القضائية لم يعد يقتصر على التواصل المرتبط بكل قضية على حدة، بل أصبح آلية مؤسساتية منتظمة لتحسين جودة تدبير الشكايات والمحاضر، والارتقاء بنجاعة البحث الجنائي، وتوحيد الممارسة بين مختلف المتدخلين.
وشدد على أن التحدي الأساسي في المرحلة الحالية لا يتمثل فقط في استيعاب مستجدات قانون المسطرة الجنائية، وإنما في حسن تنزيلها على مستوى التطبيق العملي، بما يحقق الأمن القانوني والقضائي ويضمن توحيد الفهم والممارسة.
وتنسجم هذه التوجهات مع المبادئ التي تضمنها الدليل العملي لتجويد الأبحاث الجنائية، والذي يدعو إلى التخطيط السليم للأبحاث، وتعزيز التواصل بين النيابة العامة والشرطة القضائية، واحترام الآجال القانونية، وترسيخ قيم المهنية والأخلاقيات وحماية الحقوق والحريات أثناء مباشرة إجراءات البحث.
المدير المركزي للشرطة القضائية بالمديرية العامة للأمن الوطني، محمد الدخيسي: مخطط عمل لمواكبة القانون الجديد
من جانبه، أكد المدير المركزي للشرطة القضائية بالمديرية العامة للأمن الوطني، محمد الدخيسي، أن التنسيق بين رئاسة النيابة العامة والمديرية العامة للأمن الوطني وقيادة الدرك الملكي أصبح خياراً استراتيجياً يروم تجويد العدالة الجنائية والرفع من جودة الأبحاث القضائية، معتبراً أن نجاح الإصلاح لا يرتبط فقط بجودة النصوص القانونية، بل باستمرار الحوار المؤسساتي وتبادل الخبرات وتوحيد الممارسة.
وكشف الدخيسي عن اعتماد المديرية العامة للأمن الوطني مخطط عمل وطني لمواكبة دخول قانون المسطرة الجنائية حيز التنفيذ، يرتكز على التأهيل القانوني والعملياتي لموظفي الشرطة القضائية، وتوحيد الممارسة المهنية، وترسيخ الشرعية الإجرائية، والرفع من جودة الأبحاث القضائية، إلى جانب إرساء منظومة للتنسيق والتتبع والتقييم المستمر.
رئيس المصلحة المركزية للشرطة القضائية بقيادة الدرك الملكي، اللواء محسن بوخبزة: الاستثمار في العنصر البشري
من جهته، أبرز رئيس المصلحة المركزية للشرطة القضائية بقيادة الدرك الملكي، اللواء محسن بوخبزة، أن اللقاء يشكل فرصة لمناقشة أهم المستجدات التي جاء بها قانون المسطرة الجنائية، خاصة تلك المرتبطة بعمل الشرطة القضائية، واستشراف الحلول العملية لتجاوز الإكراهات التي قد يفرزها تنزيل بعض المقتضيات الجديدة.
وأشار بوخبزة إلى أن رئاسة النيابة العامة وضعت، في إطار شراكتها مع الأجهزة الأمنية، دليلاً عملياً يمثل مرجعاً لتدبير الأبحاث الجنائية، معتبراً أن المرحلة الحالية تستوجب مواصلة تأهيل ضباط الشرطة القضائية وتعزيز قدراتهم المهنية وفهمهم للمقتضيات القانونية الجديدة، بما يضمن توحيد آليات الاشتغال، والاستعمال السليم للتقنيات الحديثة في مكافحة الجريمة، مع احترام الضمانات القانونية للمحاكمة العادلة.
محاور تقنية لتعزيز جودة البحث الجنائي
ركزت أشغال اللقاء الوطني على عدد من المحاور التقنية المرتبطة بالمقتضيات الجديدة لقانون المسطرة الجنائية، شملت الإجراءات المقيدة للحرية، وتدبير الأبحاث المالية الموازية، وتقنيات البحث الخاصة المستحدثة، إلى جانب مناقشة الإشكالات العملية التي قد تثيرها هذه المقتضيات أثناء التطبيق.
كما تناولت المناقشات سبل توحيد منهجية مباشرة الأبحاث الجنائية، وجودة المحاضر، وآليات التنسيق بين النيابة العامة والشرطة القضائية في مختلف مراحل البحث، بما يعزز الشرعية الإجرائية، ويحسن جودة الأدلة، ويحقق التوازن بين فعالية مكافحة الجريمة وضمان حقوق الأشخاص.
الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بأكادير، عبد الرزاق فتاح.. ترجمة التوجهات الوطنية إلى ممارسة ميدانية
بعد اللقاء الوطني بمراكش، احتضنت محكمة الاستئناف بأكادير، بشراكة مع ولاية أمن أكادير، دورة تكوينية لفائدة قضاة النيابة العامة وضباط الشرطة القضائية تحت عنوان “البحث وتقنيات التحري الخاصة في الجريمة”.
وأقيمت الدورة بمركز القيادة والتنسيق بأكادير، تحت إشراف الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بأكادير، عبد الرزاق فتاح، وبمشاركة قضاة النيابة العامة، وضباط الشرطة القضائية، ورؤساء المصالح الأمنية، ورؤساء المناطق الأمنية، ورؤساء دوائر الشرطة، إضافة إلى مشاركة مختلف محاكم الدائرة القضائية التابعة لمحكمة الاستئناف بأكادير عبر تقنية التناظر المرئي.
وأكد عبد الرزاق فتاح أن التكوين المستمر يشكل ركيزة أساسية لمواكبة تطور العدالة الجنائية، مشدداً على أهمية تمكين قضاة النيابة العامة وضباط الشرطة القضائية من استيعاب المستجدات القانونية والتقنية وتطبيقها وفق الضوابط القانونية والممارسات المهنية الفضلى.
وركز البرنامج التكويني على الجوانب التطبيقية المرتبطة بتقنيات البحث والتحري الخاصة، وآليات التنسيق بين النيابة العامة والشرطة القضائية، وتبادل الخبرات، وتوحيد الممارسة المهنية، بما يساهم في تعزيز جودة الأبحاث الجنائية وتحسين نجاعة التحقيقات.
من المرجعية المؤسسية إلى التطبيق العملي
تأتي هذه المبادرات في سياق مسار مؤسساتي انطلق قبل تعديل قانون المسطرة الجنائية، وتوج بإعداد الدليل العملي بشأن تجويد الأبحاث الجنائية، الذي ترجم توصيات الدورات التكوينية الجهوية المنظمة سنة 2023 إلى إطار عملي يهدف إلى تحسين تدبير البحث الجنائي.
ويرتكز الدليل على مبادئ أساسية تتمثل في تجويد تدبير الأبحاث الجنائية، وتعزيز التواصل بين مختلف المتدخلين، وترسيخ أخلاقيات المهنة، وتكريس حماية الحقوق والحريات، مع اعتبار البحث الجنائي مدخلاً أولياً للعدالة الجنائية، تتوقف على سلامة إجراءاته جودة المتابعة القضائية والقرارات التي تصدر لاحقاً.
وفي هذا الإطار، مثل لقاء مراكش محطة لتوحيد الفهم المؤسساتي للمقتضيات الجديدة، بينما جاءت الدورة التكوينية بأكادير لتعزيز الجانب التطبيقي، من خلال نقل هذه المرجعية إلى مستوى الممارسة اليومية داخل النيابات العامة ومصالح الشرطة القضائية.
مسار متواصل لتطوير العدالة الجنائية
تعكس هذه المبادرات استمرار التنسيق بين رئاسة النيابة العامة، والمديرية العامة للأمن الوطني، والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، وقيادة الدرك الملكي، في مواكبة تنفيذ مستجدات قانون المسطرة الجنائية، عبر الجمع بين التأطير الوطني، والتكوين الجهوي، والتنسيق المؤسساتي.
ويهدف هذا المسار إلى توحيد الممارسة الإجرائية، وتعزيز جودة البحث الجنائي، وتطوير كفاءة الموارد البشرية، بما ينسجم مع متطلبات النجاعة القضائية، ويحافظ في الوقت ذاته على الضمانات القانونية والحقوق والحريات التي تشكل أحد المرتكزات الأساسية لمنظومة العدالة الجنائية.
