في إطار مواكبتها لأبرز الأوراش التنموية التي تشهدها المملكة، تقدم جريدة اليراع لقرائها الكرام الجزء الثاني من السلسلة التحليلية التي يوقعها الدكتور سدي علي ماءالعينين، والتي تسلط الضوء على برنامج التنمية الحضرية لمدينة أكادير.
وتندرج هذه السلسلة التحليلية ضمن مقاربة إعلامية رصينة تعتمد على قراءة معمقة لمختلف أبعاد هذا الورش التنموي الكبير، من خلال تفكيك مكوناته، وتتبع منجزاته، واستشراف آفاقه المستقبلية، استناداً إلى معطيات دقيقة ورؤية أكاديمية تسعى إلى تقديم صورة شاملة وموضوعية عن التحولات الحضرية التي تعرفها المدينة.
كما تؤكد جريدة اليراع لقرائها الكرام أنها ستواكب هذا الورش من خلال سلسلة حلقات مصورة قريبة على قناة اليراع، سيتم فيها تخصيص حلقة لكل مشروع على حدة، بما يتيح توثيقاً ميدانياً وتحليلاً بصرياً لأهم مكونات هذا البرنامج التنموي.
🌿 بيئة وجودة الحياة: رئة حضرية جديدة لمدينة أكادير
يركز برنامج التنمية الحضرية لمدينة أكادير على البعد البيئي باعتباره أحد ركائز تحسين جودة العيش، حيث تم رصد استثمارات مهمة لتأهيل وتوسيع الفضاءات الخضراء وإعادة الاعتبار للحدائق التاريخية.
وقد شملت هذه التدخلات إعادة تأهيل حديقة “ابن زيدون” وحديقة “بيلفيدير”، إلى جانب حدائق “للامريم” و“أولهاو”، فضلاً عن إحداث منتزهات حضرية جديدة في أحياء أنزا وبنسركاو وتيكيوين.
وتحولت هذه الفضاءات إلى رئات بيئية حقيقية داخل النسيج الحضري، تدعم التوازن البيئي وتوفر فضاءات للراحة والاستجمام. كما عزز البرنامج هذا التوجه بإنجاز حوالي 40 ملعباً للقرب موزعة على مختلف المقاطعات، ما ساهم في توفير بنية رياضية حديثة لفائدة الشباب في كرة القدم والسلة والرياضات الحضرية.
الثقافة والتراث: إعادة إحياء الذاكرة الحضرية
على المستوى الثقافي، أولى البرنامج أهمية خاصة لإعادة إحياء الذاكرة المعمارية لمدينة أكادير، باعتبارها مدخلاً أساسياً لتعزيز جاذبيتها السياحية والثقافية.
وقد شملت هذه الدينامية تأهيل مسرح الهواء الطلق بوسط المدينة، وإعادة تأهيل سينما الصحراء التاريخية بحي تالبورجت، في خطوة تروم إعادة الروح للمشهد الفني المحلي.
كما تم تحويل المقر السابق لـ بنك المغرب إلى متحف تراثي يوثق تاريخ المدينة، إلى جانب إحداث المركز الثقافي “فونتي”، الذي ساهم في تعزيز البنية الثقافية وتوفير فضاءات حديثة للإبداع الفني والثقافي.
التعليم والصحة: الاستثمار في الإنسان كأولوية
امتد برنامج التنمية الحضرية ليشمل الرأسمال البشري، حيث تم تعزيز العرض التربوي من خلال بناء وتأهيل عدد من المؤسسات التعليمية بمختلف الأسلاك، بهدف مواكبة النمو الديموغرافي المتسارع الذي تعرفه المدينة.
وفي القطاع الصحي، تم إحداث مراكز صحية للقرب وتأهيل المستشفيات القائمة، بما يضمن تقريب الخدمات الصحية من المواطنين وتحسين جودتها، في إطار رؤية تروم تحقيق العدالة المجالية داخل مختلف أحياء المدينة.
حكامة نموذجية ونسبة إنجاز متقدمة
تميز هذا البرنامج بحكامة دقيقة على المستويين المالي والزمني، جعلته نموذجاً في تدبير المشاريع الكبرى، حيث تم تحقيق توازن واضح بين تقدم الأشغال وصرف الاعتمادات.
وبحلول مطلع سنة 2026، تجاوزت نسبة الإنجاز المادي 95% في مختلف محاور البرنامج، وهو ما يعكس مستوى التقدم الكبير الذي عرفته الأوراش المهيكلة للمدينة.
ويعود هذا النجاح إلى التنسيق بين مختلف الفاعلين، وفي مقدمتهم أكادير سوس ماسة للتهيئة، إلى جانب أكادير موبيليتي والعمران، الذين ساهموا في إنجاح هذا الورش وفق رؤية مندمجة.
مشاريع رمزية تعكس التحول الحضري
ومن بين أبرز الشواهد على نجاح هذا البرنامج، يبرز مشروع المسجد الكبير بحي السلام، الذي عرف توقفاً مؤقتاً سنة 2023 قبل أن يتم استئناف الأشغال وإنجازه قبل سنة 2026، ليصبح اليوم معلمة دينية ومعمارية بارزة، تم تعزيز محيطها بساحات منظمة تسهل الولوج وتحسن جودة الفضاء العام.
النقل الحضري: تحول جذري في منظومة التنقل
شكلت سنتا 2024 و2025 مرحلة مفصلية في مسار البرنامج، مع دخول خط الحافلات عالية الجودة أمل واي حيز الخدمة، مدعوماً بأنظمة تذاكر ذكية ولوحات إرشادية حديثة.
ومع تكامل هذا المشروع مع الطرق المدارية والممرات التحت أرضية، أصبحت مدينة أكادير تتوفر على واحدة من أكثر شبكات النقل تطوراً على المستوى الوطني، بما عزز الربط بين مختلف أحيائها وساهم في تنشيط الدورة الاقتصادية داخل المجال الحضري.
يبرز هذا الجزء الثاني من السلسلة التحليلية التي تنجزها جريدة اليراع أن برنامج التنمية الحضرية لمدينة أكادير لم يكن مجرد أوراش متفرقة، بل رؤية متكاملة لإعادة تشكيل المدينة على أسس حديثة، تجمع بين التنمية المستدامة، وجودة العيش، وتحديث البنية التحتية، مع جعل المواطن في صلب هذه الدينامية التحولية.
