تحلّ الذكرى الثالثة والعشرون لـ تفجيرات الدار البيضاء 2003، باعتبارها إحدى أبرز المحطات المفصلية في التاريخ الأمني المعاصر للمغرب؛ إذ لم تكن مجرد حادث أمني عابر، بل شكّلت نقطة تحول استراتيجية أعادت صياغة فلسفة الدولة في مقاربة قضايا الأمن ومكافحة التطرف والإرهاب.
ففي مساء 16 ماي 2003، اهتزت مدينة الدار البيضاء على وقع سلسلة تفجيرات انتحارية استهدفت مواقع متعددة، من بينها مطاعم وفنادق ومرافق يرتادها أجانب، مخلفة عشرات الضحايا بين قتلى وجرحى، ومحدثة صدمة عميقة داخل المجتمع المغربي. غير أن وقع المأساة لم يقتصر على بعدها الإنساني، بل أطلق مرحلة جديدة من التفكير المؤسساتي في مواجهة التهديدات الإرهابية.
ومنذ تلك اللحظة، اختار المغرب الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق. فقد تبنّت الدولة مقاربة أمنية جديدة قائمة على الرصد المبكر والتدخل الوقائي وتفكيك التهديدات قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ. وتُوّج هذا المسار بإحداث المكتب المركزي للأبحاث القضائية الذي مثّل تحولًا نوعيًا في هندسة العمل الأمني، عبر تطوير آليات التحقيق والتنسيق الاستخباراتي والاستباق العملياتي.
ووفق المعطيات الرسمية المتداولة، أسهمت هذه المقاربة في تفكيك مئات الخلايا المرتبطة بالتطرف والإرهاب وإحباط عدد كبير من المخططات التخريبية، ما جعل التجربة المغربية تحظى باهتمام متزايد من شركائها الدوليين.
غير أن الرؤية المغربية لم تختزل التهديد في بعده الأمني فقط، بل انطلقت من تصور يعتبر أن مواجهة التطرف تتطلب كذلك معالجة أسبابه الفكرية والاجتماعية. وفي هذا الإطار، جرى إصلاح الحقل الديني وفق نموذج يستند إلى ثوابت الهوية المغربية وإلى مؤسسة إمارة المؤمنين، مع تعزيز دور التأطير الديني وتكوين الأئمة والمرشدات، بما ساهم في ترسيخ مفهوم “الأمن الروحي” باعتباره أحد أعمدة الاستقرار المجتمعي.
وبموازاة ذلك، أطلقت الدولة برامج اجتماعية وتنموية واسعة، في مقدمتها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بهدف تقليص مظاهر الهشاشة ومحاصرة الظروف التي قد تستغلها شبكات الاستقطاب والتجنيد، خصوصًا داخل الأوساط الأكثر عرضة للتهميش الاجتماعي.
أما على المستوى التشريعي، فقد عرف الإطار القانوني لمكافحة الإرهاب سلسلة تعديلات لمواكبة التحولات التي شهدتها طبيعة التهديدات الأمنية، خاصة مع ظهور أنماط جديدة مثل الإرهاب العابر للحدود والاستقطاب الرقمي وظاهرة المقاتلين الأجانب.
وعلى المستوى الدولي، أدرك المغرب مبكرًا أن الإرهاب لم يعد تحديًا محليًا، بل بات ظاهرة تتجاوز الحدود الجغرافية. لذلك وسّع تعاونه الأمني مع شركاء دوليين، من بينهم فرنسا وإسبانيا وبلجيكا والولايات المتحدة، حيث ساهمت معلومات استخباراتية مغربية في دعم جهود مكافحة الإرهاب على الصعيد الدولي.
وفي سياق الاعتراف الدولي المتزايد بهذا المسار، احتضنت الرباط مقر برنامج أممي متخصص في مكافحة الإرهاب والتدريب بإفريقيا، كما استضاف المغرب تظاهرات أمنية دولية كبرى، من أبرزها المؤتمر الوزاري السابع للتحالف الدولي ضد داعش، إضافة إلى انعقاد الدورة الثالثة والتسعين لـ الإنتربول بمدينة مراكش.
وبعد أكثر من عقدين على أحداث 16 ماي، تبدو التجربة المغربية نموذجًا يقوم على مبدأ أن الأمن ليس مجرد مواجهة ميدانية للتهديدات، بل هو منظومة متكاملة تشمل العمل الاستخباراتي والإصلاح الديني والتنمية الاجتماعية والانفتاح الدولي. وهي مقاربة جعلت من تلك الصدمة التاريخية نقطة انطلاق نحو بناء تجربة أصبحت تحظى باهتمام متزايد في دوائر الأمن ومكافحة الإرهاب عبر العالم.
بهذه الصياغة يصبح المقال أكثر مهنية وتوازنًا، مع تقليل الأحكام التفسيرية المباشرة وإبقاء مساحة الرأي منفصلة عن الوقائع.
