حسن كرياط
تحولت التحركات الدبلوماسية للمملكة المغربية في الآونة الأخيرة إلى ما يشبه “مؤشر ضغط” حاد يرخي بظلاله الثقيلة على غرف التحرير والاستوديوهات التحليلية في الجزائر، حيث تعكس حالة الاستنفار الإعلامي التي واكبت الأنباء المتداولة حول الزيارة المرتقبة للعاهل المغربي الملك محمد السادس إلى العاصمة الفرنسية باريس، وما قد يتخللها من توقيع معاهدة سلم وتعاون استراتيجية، عمق المفارقة السياسية التي تعيشها المنطقة. وفي الوقت الذي تابع فيه الشارع المغربي وأوساطه السياسية تفاصيل هذه الشراكة المتجددة بهدوء دبلوماسي معتاد ينطلق من رؤية براغماتية تديرها الرباط بـ “نَفَس طويل” وعقل بارد، تعاملت وسائل الإعلام الجزائرية مع هذا الحدث الثنائي وكأنه شأن داخلي صرف، أو ملف أمني قومي يستدعي إعلان حالة طوارئ قصوى في البرامج الحوارية والقصاصات الإخبارية، لتخوض منابر إعلامية في بلد ثالث نقاشات مستفيضة ومطولة حول اتفاقية بين دولتين مستقلتين، تتجاوز في حجمها وزمنها البث الإعلامي للدولتين المعنيتين بالزيارة نَفسهما.
هذا التباين الصارخ في التعاطي مع المحطة الدبلوماسية يضعنا أمام مقاربتين متناقضتين؛ فمن جهة، تشتغل العقيدة الدبلوماسية المغربية وفق منطق “الفعالية الصامتة”، حيث تُبنى الشراكات وتُوقع الاتفاقيات بعيداً عن صخب البروباغندا، وهو سلوك هادئ يتيح للأحداث الكبرى أن تمر بسلاسة دون الحاجة لعناوين صاخبة، إيماناً بأن المحك الحقيقي يكمن في النتائج الملموسة على الأرض لا في الإثارة اللحظية. ومن جهة أخرى، انخرطت القنوات والمنصات الجزائرية مستعينة بـ “خبراء” في قراءة اختزالية وضيقّة لهذه الزيارة، معتبرين أن أي تقارب فرنسي-مغربي هو بالضرورة خطوة “موجهة ضد الجزائر”، ومسارعين إلى التنبؤ بفشل الاتفاقية حتى قبل توقيعها، في طرح غريب يعكس رغبة ضمنية وبائسة في جعل الرباط ملزمة بتقديم “كشف حساب” أو تبرير لخياراتها السيادية أمام قصر المرادية.
إن هذه الواقعة تؤكد تنامي قاعدة سياسية غير مكتوبة باتت تحكم المنطقة؛ فكلما خطت الدبلوماسية المغربية خطوة رصينة نحو تعزيز شراكاتها الدولية، سواء مع باريس أو غيرها، ارتفع منسوب التشنج وساعات البث خارج الحدود المغربية بشكل يفوق الداخل بكثير، مما يثبت أن تأثير الخطوات المغربية بات يُقرأ في عواصم أخرى بعناية مفرطة تفوق أحياناً تفاصيل الحدث نفسه. وفي المحصلة، تملك المملكة المغربية، كدولة ذات سيادة كاملة وضاربة في التاريخ، الحق المطلق في صياغة تحالفاتها وتوقيع معاهداتها مع من تراه يخدم مصالحها العليا، تماماً كما تملك فرنسا الحق ذاته، أما تحويل حدث ثنائي اعتيادي إلى مادة يومية للاستهلاك والتوجيه السياسي في بلد ثالث غير معني بها، فهو سلوك يعلق على نفسه بنفسه، ويفسر طبيعة الأزمة البنيوية في التعاطي مع نجاحات الجار.
العبث الإعلامي العابر للحدود: حين تتحول السيادة المغربية إلى “حالة طوارئ” في الجارة الشرقية
