التجربة الدينية بين التحليل النفسي واقتصاد المعرفةقراءة في كتاب: “علم نفس الدين: مقدمة تعريفية ومقاربة نقدية”


حسن كرياط
يُعدّ الدين واحداً من أكثر الظواهر الإنسانية تعقيداً وتشابكاً، لأنه لا يرتبط فقط بالمعتقدات والطقوس، بل يتجاوز ذلك إلى تشكيل الوعي الفردي والجماعي، وصياغة المعنى الوجودي للإنسان داخل العالم. ومن هذا المنطلق، يأتي كتاب علم نفس الدين: مقدمة تعريفية ومقاربة نقدية لمؤلفيه كايت ليفنثال وجيرمي كاريت، ليطرح مقاربة تتجاوز الفهم التقليدي لعلم نفس الدين، عبر الجمع بين التحليل النفسي الكلاسيكي والنقد الفلسفي المعاصر المرتبط بتحولات الرأسمالية واقتصاد المعرفة.
ينطلق الكتاب من فكرة أساسية مفادها أن التجربة الدينية لم تعد مجرد شأن روحي داخلي، بل أصبحت مجالاً تتقاطع داخله السلطة والمعرفة والاقتصاد والإعلام. فالدين، الذي كان يُنظر إليه تاريخياً باعتباره تجربة تتعلق بالغيب والمعنى والميتافيزيقا، تحول في العصر الحديث إلى موضوع للقياس والتصنيف والإدارة النفسية، ثم إلى سلعة رمزية قابلة للتسويق داخل المنظومات الاقتصادية المعاصرة. ومن هنا يبرز السؤال المركزي الذي يحكم الكتاب: هل ما يزال بالإمكان الحفاظ على البعد الروحي والغامض للتجربة الدينية في عالم تحكمه معايير السوق والإنتاجية والنجاعة التقنية؟
في بداياته، يعود الكتاب إلى الإشكال القديم المرتبط بتعريف الدين داخل العلوم الإنسانية، موضحاً أن صعوبة تعريفه تكمن في تعدد أبعاده وتنوع تجلياته الثقافية والنفسية والاجتماعية. فالدين ليس مجرد منظومة عقائدية، بل هو أيضاً إحساس داخلي بالمعنى والانتماء، وشكل من أشكال تفسير العالم ومواجهة القلق الوجودي. لذلك اصطدمت محاولات علماء النفس الأوائل بإشكالية اختزال الظاهرة الدينية داخل نماذج تفسيرية ضيقة، خاصة مع صعود النزعة الوضعية والمادية في الغرب خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
ويستعرض الكتاب المواقف النقدية الحادة التي تبناها سيغموند فرويد تجاه الدين، حين اعتبره نوعاً من الوهم الجماعي أو الامتداد النفسي لحاجة الإنسان إلى الحماية الأبوية، بينما سعى بي. إف. سكينر إلى تفسير السلوك الديني بمنطق الاستجابة الشرطية والتجريب السلوكي. غير أن الكتاب يبين أن هذه المقاربات، رغم أهميتها التاريخية، بقيت عاجزة عن فهم العمق الرمزي والوجداني للتدين، لأنها تعاملت مع الإنسان باعتباره كائناً ميكانيكياً يخضع فقط لقوانين الغريزة أو السلوك القابل للضبط.
وفي مقابل هذا الاختزال، يسلط الكتاب الضوء على التحولات التي عرفها علم النفس الديني لاحقاً، خاصة مع بروز تيارات أكثر انفتاحاً على التجربة الروحية، مثل أعمال ويليام جيمس الذي اعتبر أن التجربة الدينية تمثل شكلاً من أشكال الخبرة الإنسانية العميقة التي لا يمكن اختزالها في المرض أو الوهم. كما يستحضر الكتاب إسهامات كارل غوستاف يونغ الذي رأى في الرموز والأساطير الدينية تعبيراً عن اللاوعي الجمعي وحاجة الإنسان الدائمة إلى المعنى والتوازن الداخلي.
ويتوسع النص في تحليل تطور الإيمان عند الإنسان منذ الطفولة، موضحاً أن الطفل يبدأ غالباً بتصورات حسية ومجسمة عن الإله قبل أن ينتقل تدريجياً نحو أشكال أكثر تجريداً وتعقيداً مع تطور قدراته الإدراكية. ويعتمد الكتاب في هذا السياق على تصورات جان بياجيه حول النمو المعرفي، إضافة إلى نظريات إريك إريكسون المتعلقة بتطور الهوية النفسية والاجتماعية. ويشير إلى أن التدين لا ينمو بمعزل عن البيئة والثقافة، بل يتأثر بالأسرة والتعليم والتحولات السياسية والاجتماعية التي يعيشها الفرد.
غير أن المنعطف الأهم في الكتاب يظهر حين ينتقل من التحليل النفسي التقليدي إلى النقد الفلسفي والسياسي لعلم النفس ذاته. فالمؤلفان يقدمان قراءة متأثرة بأعمال ميشيل فوكو الذي كشف كيف تتحول المعرفة الحديثة إلى أداة للسلطة والضبط الاجتماعي. ومن هذا المنظور، لم يعد علم النفس مجرد علم محايد يدرس الإنسان، بل أصبح جزءاً من منظومة واسعة لإدارة السلوك والتحكم في الرغبات وتوجيه الأفراد بما يخدم منطق السوق والدولة الحديثة.
ويبرز الكتاب أن الرأسمالية المعاصرة لم تعد تكتفي بالسيطرة على الاقتصاد المادي، بل امتدت إلى المجال النفسي والروحي، حيث جرى تحويل مفاهيم مثل “تحقيق الذات” و“التوازن النفسي” و“الرفاه الروحي” إلى منتجات استهلاكية مرتبطة بصناعة التنمية الذاتية والسوق العلاجية الحديثة. وهنا تظهر مفارقة عميقة: فحتى الخطابات التي تدعو إلى التحرر الداخلي أصبحت بدورها خاضعة لمنطق الاستهلاك والإنتاجية.
ويكشف النص كيف أن الشركات الكبرى والمؤسسات الحديثة باتت تستثمر في الخطابات الروحية وتقنيات التأمل واليقظة الذهنية، ليس بدافع أخلاقي أو إنساني خالص، بل بهدف رفع مردودية الأفراد وتقليل مستويات القلق داخل بيئات العمل. وهكذا تتحول الروحانية تدريجياً إلى أداة لإعادة إنتاج النظام الاقتصادي بدل أن تكون مجالاً للتحرر منه. ويستحضر الكتاب هنا أفكار إريك فروم الذي حذر مبكراً من هيمنة “نمط الامتلاك” على الحياة الحديثة، حيث يصبح الإنسان نفسه موضوعاً للاستهلاك والتسويق.
كما يناقش العمل التأثير المتزايد للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل الوعي الديني المعاصر. فالتدين اليوم لم يعد يُبنى فقط داخل المؤسسات التقليدية، بل أصبح يتشكل أيضاً عبر الخوارزميات والإعلام الرقمي وصناعة المحتوى الروحي. وقد أدى ذلك إلى ظهور أشكال جديدة من التدين السريع والمختزل، حيث تتحول التجارب الروحية إلى محتويات قابلة للمشاركة والاستهلاك الفوري، مما يهدد العمق التأملي والبعد الوجودي للتجربة الدينية.
وفي هذا السياق، يدافع الكتاب عن ضرورة الحفاظ على “مساحة الغموض” داخل التجربة الإنسانية، لأن اختزال الإنسان في معطيات بيولوجية أو مؤشرات نفسية رقمية يفقده بعده الرمزي والروحي. فهناك دائماً جانب من الوجود الإنساني يظل عصياً على القياس والتفسير الكامل، وهو ما يمنح الدين والفن والفلسفة قيمتها العميقة باعتبارها محاولات دائمة لمواجهة الأسئلة الكبرى المتعلقة بالموت والمعنى والحرية والمصير.
ويخلص الكتاب إلى أن علم نفس الدين لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد أداة تقنية لإدارة السلوك، بل يجب أن يبقى مجالاً نقدياً مفتوحاً لفهم الإنسان في تعقيده الوجودي والروحي. فالتجربة الدينية، رغم كل محاولات التدجين والتسليع، ما تزال تمثل لدى ملايين البشر مصدراً للمعنى والسكينة والمقاومة الرمزية ضد عالم يتجه أكثر فأكثر نحو تحويل الإنسان إلى رقم داخل منظومات الإنتاج والاستهلاك.
ومن هنا تبرز القيمة الفكرية لهذا العمل، لأنه لا يكتفي بتقديم مدخل تعريفي لعلم نفس الدين، بل يفتح نقاشاً فلسفياً عميقاً حول مستقبل الروحانية في زمن الرأسمالية الرقمية، وحول قدرة الإنسان على حماية عالمه الداخلي من التشييء والاستلاب. إنه كتاب يضع القارئ أمام سؤال وجودي حاسم: هل يمكن للإنسان المعاصر أن يحافظ على جوهر تجربته الروحية وسط عالم يسعى إلى تحويل كل شيء، حتى الإيمان ذاته، إلى سلعة قابلة للقياس والتداول؟

Exit mobile version