أزمة المشهد الحزبي بالمغرب: هل عزف الشباب عن السياسة أم قاطعت السياسة الشباب؟حسن كرياط

تتأرجح العلاقة بين الشباب المغربي والمنظومة الحزبية اليوم داخل حلقة مفرغة من الجفاء المتبادل، لتطرح سؤالاً جوهرياً يتجاوز القراءات السطحية المتداولة حول ما إذا كنا حقاً أمام عزوف إرادي من الشباب عن العمل السياسي، أم أننا نواجه إقصاءً هيكلياً ومؤسساتياً يتعمد إغلاق قنوات المشاركة في وجه هذه الفئة الحيوية. وعند الإنصات والتفكيرفي التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، يتضح جلياً أن الأحزاب السياسية قد تخلت، عن طواعية أو عجز، عن أدوارها الدستورية المتمثلة في تأطير المواطنين وتكوين النخب الشابة وتأهيلها لقيادة الشأن العام. هذا القصور البنيوي لم يفرز مجرد لامبالاة عابرة، بل ولّد راديكالية صامتة في عدم اليقين تجاه الجدوى من العملية الانتخابية برمتها، حيث ترسخت لدى الغالبية العظمى قناعة حاسمة بأن أصواتهم لن تغير من الواقع شيئاً، وأن صناعة القرار السياسي باتت نظاماً مغلقاً واحتكاراً تتوارثه فئات محظوظة تعيد إنتاج مصالحها بآليات قديمة.
​إن التقييم النقدي لواقع البيوت الداخلية للأحزاب المغربية يكشف عن مفارقة صارخة؛ ففي الوقت الذي تتبنى فيه هذه التنظيمات شعارات الديمقراطية والتحديث في منابرها الإعلامية، تكرس في ممارساتها التنظيمية أسلوب الحكامة الأبوية، مما يؤدي إلى غياب الديمقراطية الداخلية واستقواء منطق الولاءات الشخصية على حساب الكفاءة. وينعكس هذا الأمر بشكل مباشر في ظاهرة الزعامات الخالدة التي ترفض مغادرة كراسي القيادة، مساهمةً في تصحير البيئة الحزبية وتنفير الطاقات الشابة. هذا الاحتكار القيادي لا يغلق الباب أمام التداول السلمي على السلطة الحزبية فحسب، بل يختزل دور الشباب ويستغله كمجرد وقود انتخابي أو واجهة دعائية مؤقتة لتأثيث المؤتمرات والحملات الموسمية، مما يكرس علاقة تبعية عمودية ترفضها الأجيال الجديدة التي تتنفس قيم الحرية والاستقلالية الرقمية.
​ومع اقتراب كل استحقاق تشريعي، يتكشف حجم الفجوة السحيقة بين الخطاب الحزبي المستهلك والتحولات السوسيولوجية العميقة التي يمر بها مغرب اليوم، إذ ما زال الفاعل السياسي التقليدي يعيش في جلباب الماضي معتمداً على لغة الخشب والوعود السائلة. لقد عجز هذا الفاعل عن استيعاب أن الشباب المغربي لم يعد كتلة متجانسة يمكن استقطابها بالشعارات العاطفية، بل هو شباب متصل بالكونية، يملك أدوات المعرفة والنقد، ويدير نقاشاته السياسية الحقيقية خارج المقرات الحزبية؛ في منصات التواصل الاجتماعي، والحركات الاحتجاجية الافتراضية، ومبادرات المجتمع المدني المستقلة. إن هذا التحول الفارق يعني في عمقه أن الشباب لم يقاطع السياسة كمفهوم أو كاهتمام بالشأن العام، بل قاطع المؤسسة الحزبية كأداة قاصرة عن تمثيله والتعبير عن تطلعاته.
​أمام هذا الانسداد التاريخي، لم يعد مجدياً الاستمرار في طرح الأسئلة الإنكارية، بل أصبح من الضروري صياغة مقاربة مستقبلية جريئة تحدث قطيعة حقيقية مع آليات الاشتغال البالية من خلال خطة عمل سياسية متكاملة. وتنطلق هذه المقاربة البديلة من تبني الديمقراطية الرقمية التشاركية، بحيث تتخلى الأحزاب عن الهياكل البيروقراطية الثقيلة لصالح منصات تفاعلية تسمح للشباب بالمشاركة في صياغة البرامج والقرارات عن بُعد تماشياً مع نمط حياتهم الرقمي. ويتوازى ذلك مع مأسسة التداول والتجديد البنيوي عبر فرض قيود قانونية صارمة على الولايات القيادية، وربط التمويل العمومي الممنوح للهيئات السياسية بمدى نجاحها في تصعيد الكفاءات الشابة والنساء إلى مراكز القرار الفعلي، وليس الاستشاري فقط.
​ويكتمل هذا المسار بالانتقال الحتمي من خطاب الاستقطاب التقليدي إلى أفق التشغيل والتمكين، عبر تحويل وظيفة الحزب من دكان انتخابي موسمي إلى مشتل حقيقي للأفكار يُمكّن الشباب من آليات تحليل السياسات العمومية واقتراح بدائل اقتصادية واجتماعية واقعية تلامس قضاياهم الأساسية كالتعليم، والتشغيل، والعدالة المجالية. إن شجاعة التغيير اليوم ليست خياراً ترفياً للأحزاب المغربية، بل هي شرط بقائها الأساسي، فإفساح المجال لجيل يملك أدوات الحاضر ويمتلك شفرات المستقبل هو السبيل الوحيد لإعادة الروح للعملية الديمقراطية، وضمان استقرار وتطور النسيج المجتمعي للبلاد.

Exit mobile version